قوانين المُنْتَدَيات.

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: رواية, غزل البنات, 38, 39.

  1. #1
    المشرف العام
    تاريخ التسجيل
    01-10-16
    الدولة.
    فلسطين
    العمر.
    20
    المشاركات
    512
    معدل تقييم المستوى
    71

    رواية, غزل البنات, 38, 39.

    38
    عاد خالي الذي فاته اللقاء بـ"طارق"، ومرت أيام و"جمال" ينتظر مكالمة من "طارق" ظانًا أنه سيعود
    عدت إلى عملي وعادت بعض المشاكل مع "سعاد" وعصابتها، هربت من نظراتهن إلى غرفتي بالمدرسة وشغلت نفسي بالقراءة، أخرجت جريدة وجلست أتصفحها وفوجئت بخبر جميل، كان الخبر عن "حاتم" زوج "فيروز"، الذي صرح أن الرواية التي نُشرت باسمه من تأليف زوجته، وأن هذا خطأ غير مقصود من دار النشر، وأن لها مؤلفات أخرى، وأن الدار ستطرح المجموعة كاملة باسمها قريبًا.
    وقرأت بعدها على صفحات الإنترنت الكثير من النقد طاله منه الكثير من الأذى، وبعض السخرية، والكثير من السباب، وأخبار من هنا وهناك تروي قصة أنه سرق المؤلفات من زوجته وأنها اكتشفت هذا وفضحته، ثُمّ قرأت تصريحات دار النشر التي رأت في الأمر دعاية مميزة لاسمها وفرقعة إعلامية لم تحلم بها، بقي أمر مرض السيدة "فيروز" بعيدًا عن الإعلام، ولم يظهر لها إلا تصريح واحد:
    " كتبت رواياتي لأنني أحبه"
    وأرفقت صورة لها مع زوجها وفي عينيه بصيص فرحة ونشوة حب، وبينهما الجميلة "ياسمين"، هدأت نفسي أخيرًا وسعدت لهذا التطور وأيقنت أن زوج "فيروز" يحبّها فعلًا ويستحق حبها العميق والمخلص له.
    ما زالت رسائل "نورهان" على هاتفي لا تتوقف، وكنت ألاحظ أن سعادتها تزيد يومًا بعد يوم وباتت تسابقني في قراءة القرآن وترسل لتسألني عن ما قرأته وما حفظته، شعرت بغيرة لأن حماسها يزيد عني!
    أتت لزيارتي مرتين، اكتشفت أنها سخيّة اليد وأنّ لها وأبيها الكثير من أبواب الخير التي عرفتها قدرًا وأنا أسير معها، وأذني تدلني على علامات وعيني تشهد على ما تفعله.
    أكثر ما ترك بصمة في نفسي زياراتها للمريضات الفقيرات في إحدى المستشفيات الحكومية واعتنائها بهن والسعي لهن كما لو كنّ من أقاربها!
    عرفت أيضًا أن هذا لم يكن أمرًا جديدًا عليها، فهي هكذا منذ سنوات، كانت أجمل بحجابها الأنيق، بل حجابها نفسه - كما أخبرتني بنفسها - زاد قلبها رقة، وجعلها تشعر بحلاوة وهي تفعل الخير كانت غائبة عنها من قبل، ولم تذقها إلا الآن!
    بدا لي أنها لم تعرف عن زيارة "طارق" لبيت أخي، والتي مرّ عليها أسبوع واحد.
    في آخر زيارة لها فاجأتني بتغيّر عميق، ملابسها الأنيقة صارت أكثر اتساعًا وحجابها أصبح أكثر سترًا
    بدت لي كالأميرة المتوّجة، حتى كلماتها أصبحت لا تخلو من اسم الله فبين كلمة وأخرى كان لسانها يحنّ للنطق بتسبيحة وحمد لله، وكيف لا وقد صار الله عزّ وجلّ حبها الأكبر.
    أعجبتني بهيئتها الجديدة، ما زالت حقيبتها فخمة وما زال حذاؤها أنيقًا.
    خرجنا معًا وأنا أسير بجوارها فرحة بها كنت أغبطها فقد رأيت وجهها الجميل وقد أصبحت عليه مسحة من نور الهداية، جلسنا كعادتنا أمام البحر، وكان لا بد من بعض البوح...ما زالت تحب طارق.
    وقررت أن تشركني لحظة توبة صادقة ستتركه فيها وتنهي علاقتها به.."لله"
    وتغسل عن قلبها بعض الدرن، أخبرتني أنها لن تذهب إليه في المستشفى مرة أخرى
    وأنها لن تركض خلفه كما كانت تفعل، وأمسكت هاتفها وأخرجت منه شريحة خطها وعضّتها بأسنانها أمامي وألقتها في البحر وقالت:
    - ليس منا من يأمن على نفسه الفتنة مهما بلغت تقواه ولذا فإن صدّ الشبهات والابتعاد عنها منجاة
    أبكتني نظراتها الحائرة ورأيت دمعة تتسلل من عينيها لتنحدر على خدها التقطتها بيدي وقلت لها:
    - أسأل الله أن يثبتك يا "نورهان"
    ابتسمت وعيناها ممتلئتان بالدموع وقالت::
    - شكرًا لله الذي أضاء لي الطريق بلقائي بك.
    شعرت أنني لا أستحق تلك الكلمات فقلت وأنا أسترجع ذنوبي وأستحقر نفسي:
    - بل شكرًا لله الذي أخذ بناصيتك إليه، وأما أنا فذنوبي كثيرة وتقصيري يحزنني.
    قالت وهي تمسح وجهها:
    - عندما كنت عندك بالبيت ورأيتك بلا حجاب، وتأكدت أنك فتاة رقيقة وجميلة ورغم هذا تغطين كل شيء لله تأثّرت كثيرًا، صرت أغار منك، فأنا أيضًا أرجو أن يحبّني الله، كما أنك أحسنت إليّ كما لم يحسن إليّ أحد من قبل فأنا أفتقد الصحبة الصالحة، وكنت أخشى الاقتراب من بعض المحجبات لأنني أعلم أنني على خطأ، كما أن قسوة بعضهنّ جعلتني أخشاهنّ جميعا، لكنني التقيت بك، لا بد أن هناك الكثيرات حولي مثلك، وأنا التي عمّمت الحكم عليكن جميعًا، جعلتِني أحبّ حسن الخلق فيك يا "دعاء"، لقد تخليت عن الفتاة التي كنت قد صرت إليها، فأنت مسحت بيديك غبارًا عن قلبي فرقّ أخيرًا.
    وسبقتني "نورهان" بخطوة، وتعانقنا لنفترق على وعد بلقاء آخر قريب وعدت لبيتي وأنا أشعر بسعادة يشوبها بعض الوجع
    فأنا سعيدة لتوبتها وأتوجّع لأنني أعلم أنها تتوجّع فهي فعلا تحبّ "طارق"...دعوت الله لها بالثبات وسألته أن يربط على قلبها لتشفى الجراح وأن يهيء لها من أسباب السعادة والرضا والسلام النفسي ما يعوضها ويأخذ بناصيتها إليه.
    ....
    مرت أيام وفي ليلة صافية وبينما أستعد للنوم جاءتني مكالمة تليفونية من إحدى الممرضات بالمستشفى
    أعطاهم الدكتور "طارق" رقمي ليبلغوني أن "فيروز" عادت للعلاج هناك وتطلب رؤيتي لأمر هام، توجهت فورًا في اليوم التالي إلى المستشفى بعد انتهاء يومي في المدرسة، رآني الدكتور"طارق" فاقترب فورًا وقال:
    - مرحبا أستاذة "دعاء"
    رددت متجاهلة نبرة صوته الساخرة وكنت سعيدة أنه توقف عن مناداتي دون ألقاب وقلت:
    - أهلا دكتور "طارق".
    سألني كما لو كان جنديا:
    - هل تعرفين أي شيء عن نورهان؟
    أجبته ببهجة:
    - طبعًا فقد كانت معي أمس.
    رفع حاجبيه وسألني متعجبا:
    - هاتفها خارج نطاق الخدمة!
    ابتسمت وقلت بفرح:
    - لقد غيّرت رقم هاتفها.
    قال بصوت متوتّر وقد أبصرت على وجهه علامات القلق وعدم الرضا:
    - حتى حساباتها على الفايسبوك والياهوو والواتس آب وغيرها أغلقت بعضها و? تجيب على الموجود منها!
    قلت بثقة:
    - طبعًا فقد تغيّرت تمامًا وأظنها وضعت ضوابطا جديدة لمعاملاتها على أرض الواقع وعلى الإنترنت أيضًا
    ألم ترها بهيئتها وشخصيتها الجديدة؟
    هزّ رأسه بدهشة وقال:
    - لا لم أرها منذ أسبوع!
    التفت متوجهة إلى غرفة "فيروز" بعد أن قلت له:
    - لقد سبقتنا خلال أسبوع على الطريق، إنها تشتاق إلى الجنة.
    سار خلفي كطفل صغير قائلًا:
    - تغيّرت هكذا فجأة!... ولكن كيف؟
    التفت إليه مرة أخرى وقلت بهدوء:
    - كان فيها من خصال الخير ما يكفيها لتنهض بقوّة...كلنا نحتاج إلى التغيير حتى أنت.. انظر لنفسك!
    بين يديك نعمة كبيرة وهي حفظك للقرآن، لكنّك تحفظه لأن "طارق" صاحب الذاكرة القوية يستطيع أن يحفظ بسرعة، ولكن أين أنت من معاني القرآن في قلبك؟
    عد واقرأ القرآن مرة أخرى ومن جديد ولكن بقلبك لتخشع جوارحك وتترجم معانيه فيك فيراك الناس قرآنا يتنفس بينهم، بدا وكأنني صببت على رأسه ماءً باردا فجأة وسكن قليلًا.
    تركته شاردا واتجهت مباشرة إلى غرفة "فيروز" وطرقت الباب ودخلت بهدوء لأجدها ممدة على فراشها وبجوارها أمها التي كانت تبكي....
    *****
    39
    كانت "فيروز" بعد جلسات الكهرباء التي هي جزء من علاجها المقرر من الأطباء وبعد تناول العقاقير تنام نومًا عميقًا لفترات طويلة، فجلست أتحدّث مع أمها التي قالت وهي تتفحّص وجه ابنتها وهي نائمة:
    - سبحان الله تكون في قمّة السعادة حتى أنني أنسى أنها مريضة، ثم تنهار فجأة تتأرجح بين البهجة والكآبة، ربتُّ على كفها الذي كان يحتضن كفّي وقلت:
    - الحمد لله هي في نعمة وأفضل من غيرها.
    قالت بوهن:
    - نعم، الحمد لله على كل حال.
    وران علينا صمت مهيب ، وجلست أراقب "فيروز" وهي نائمة، وتساءلت في نفسي... حتى متى سيتعلّق قلبي بهؤلاء الموجوعين!
    أشاركهم وكأنني منهم وهم منّي وأبحث معهم عن الأمل؟
    ومرّ الوقت ولم تستيقظ وخفت أن ? أجد سيّارة أجرة كالمرّة السابقة فقمت على وعد أن أعود
    وقبل أن أنصرف أعطتني أم "فيروز"، تلك الرواية التي كتبتها "فيروز "عنّي وجعلتني بسمات شخصيتي بطلة خارقة فيها، وكان هذا سبب سؤالها عني، إنها تريدني أن أقرأها، قرأت أول صفحة ووجدتها قد كتبت في أعلاها وسط السطر:
    "الأغلال الناعمة"
    قرأت وأنا واقفة بجوارهما المقدّمة، ووجدتها رائعة، أبدعت"فيروز" في وصف ما نمرّ به عندما نستغرق في خيالاتنا الحلوة حيث كتبت:
    "نحتاج أحيانًا لرحلات قصيرة دون أن نفارق مكاننا الذي نعيش فيه، بلا أمتعة ندسّها في حقيبة نحملها، وحيث لا نبحث فيها عن تذكرة سفر، قفزة عالية، وأجنحة ملائكية، وتحليق إلى سماء يتوسطها بصيص هلال، لا نجم حوله ينافسه، ولا سحب تحجب روعته..
    حيث نبني قصورا وتسكنها أرواحنا الحائرة بحثا عن رائحة السعادة وبصيص الأمل..
    نحلّق فوق مجاميع الأشجار الباسقة التي داعبتها الشمس وكستها بألوان زاهية، وربما تلاطفنا زخّات المطر، لحظات قصيرة حلاوتها خاطفة، كحلاوة السّكّر عندما يذوب "غزل البنات" على الشفاة الرطبة،
    ثم نتدحرج مع سيول أحلامنا، فيلطمنا الواقع فجأة لنفيق من إغماءاتنا المتكررة ونضطر إلى الهبوط مرة أخرى لنعود إلى الوطن فينا لتستكين أرواحنا المضطربة في صدورنا، وتبرد حرارة الرجاء، ووهج التمنّى ببرد اليقين، ولطف ماء الوضوء، ثم سجدة تحتوينا لنقف من جديد، و نرتّل القرآن بشفتين أذابهما الذكر ونحلهما التسبيح".
    أغمضت عيني للحظات ثم التفت ل"فيروز" ووددت أن تستيقظ الآن في الحال لأشكرها..ودّعت أمّها التي كانت تمشّط وجه ابنتها برموشها وهي تتأملها بإشفاق وحنان..
    خرجت من غرفة فيروز، وتركت الجناح المخصّص للنساء، وجدت عائلة يبدو أنهم كانوا في زيارة قريب لهم يقفون أمام المصعد، فقررت استخدام الدرج.
    رأيت "حسام"، هذا الشاب الذي التقيت بالدكتور"طارق" في غرفته أول مرة أتيت فيها إلى المستشفى
    شاب بوجه مألوف الطلعة، قد يظن الناظر إليه أنه منكوب بسبب مسحة الحزن الملازمة لملامحه
    ونظرات الانكسار المقيمة في عينيه.
    كان يترنّم بلحن خفيف الإيقاع وعلى حين بغتة تسمّر مكانه مرهفا السمع في انتباه...لقد تناهى إلى أذنيه صوت معين...إنه صوت خطواتي..
    كان يقف على الدرج بجسده النحيل ووجهه الذي أعياه المرض وينتظر أحد ما ليأتيه بكوب من القهوة من الماكينة الموجودة بالدور الأرضي.
    حيّاني تحيّة وجيزة وقال بخجل:
    - آنسة "دعاء"، أرجوك ساعديني، أريد كوبًا من القهوة.
    ابتسمت له وقد سرّني أن طلب مني شيئًا، وقلت له:
    - سأحضرها فورًا يا فنان.
    تلاعبت على شفتيه ابتسامة امتنان خفيفة...
    وركضت على الدرج وأنا أشعر بسعادة داخلية لأنني سألبّي أمنية صغيرة له، وكنت أرجو له الشفاء كما أرجوه لـ"فيروز" وكل من رأيتهم هناك.
    أحضرتها وأنا أسير بهدوء حتى لا تنسكب بين يديّ وصعدت الدرج بحرص لأجده ما يزال ينتظرني، وقد استقبلني بابتسامة واسعة، وتناول منّي كوب القهوة بلهفة وقال بسعادة:
    - شكرًا لك، كنت أحتاجها بشدة، والممرضات يأبين أن يحضرنها لي فأوامر الأطباء أن أقلل منها، لكنني أعشقها و رائحتها الزكية.
    وأغمض عينيه وقرب أنفه من الكوب وتنفّس بعمق.
    قلت وقد أسعدتني فرحته بها:
    - رأيت الدكتور "طارق" يحضرها لك في الخفاء.
    قال مبتهجًا:
    - نعم، هو فقط من يحضرها كأنّها لنفسه ونضحك معًا..لكنه يسمح لي بكوب واحد كل فترة.
    رشف رشفة من الكوب بحذر وسألني:
    - هل كنت في زيارة السيدة "فيروز"؟
    هززت رأسي بودّ وقلت له:
    - نعم، لكنها كانت نائمة وجلست مع أمها قليلًا.
    قال بألم:
    - قلبي يتمزّق عليها وعلى أختها.
    التفت بتعجب وسألته:
    - هل لفيروز أخت؟! وما بها؟
    أجابني بصوت ممزّق محترق:
    - لها أخت تصغرها بستة عشر عامًا، لم تنجب أمهما غيرهما، ضاعت من السيّدة "فيروز" بعد أن أصابتها حالة من الشرود الذهني كتلك التي تصيبني، وهي تمسك يدها في الطريق، وكان هذا منذ اثنتي عشرة عامًا، حيث كانت في الخامسة من عمرها، وكانت السيّدة "فيروز" وقتها في الواحدة والعشرين من عمرها، كانت بريئة جدًا كما أخبرتني أمها، فهي تزورني كثيرًا وتربّت على كتفي وأحيانًا ترقيني وتجلس لتسمع لي عندما يتوافق موعد تواجدي بالمستشفى مع الموعد الذي تعود فيه السيّدة "فيروز" لتلقّي العلاج هنا، فكلانا يعود كثيرًا...
    ابتسم بمرارة بعد جملته الأخيرة وأكمل قائلًا:
    -أظنّها الآن عروس في السابعة عشر من عمرها، أو ربما توفاها الله.
    قاطعته وقد أفزعني ذكر الموت وقلت:
    - إن شاء الله ستعود إليهم ولعلّها بخير بين أيدٍ أمينةٍ...هل بحثوا في الملاجئ؟
    قال وقد ركّز عينيه على الحائط أمامه:
    - بحثوا في كل مكان، الملاجئ، المستشفيات، ثلاّجات الموتي، بيوت الفقراء، "مصر" كبيرة يا آنسة "دعاء"، كيف سيجدونها!
    قلت بألم:
    - لا حول ولا قوة إلا بالله، أوجعني قلبي.
    قال بعد أن أبعد عينيه عن الحائط وما تزال كفّاه تحتضنان كوب القهوة:
    - أخبرتني أمها أنها كانت تسير وتتفحّص وجوه الأطفال في كل مكان تمرّ به وكان الناس يخافون منها.
    آه لو رأيتِها يا آنسة "دعاء" لها نفس عيني "ياسمين" الخضراء الحلوة، لو كانت على قيد الحياة ستكون فتاة جميلة، وربما أخطبها وأتزوجها.
    قلت بفضول:
    - هل رأيت صورتها؟
    قال وفي عينيه لمحة ابتسامة:
    - أحضرت لي أمها صورتها وهي صغيرة قبل أن تضيع منهم، وحاولت أن أتخيلها شابة ورسمت وجهها بعد أن أدخلت الصورة على أحد البرامج الخاصة على حاسوبي والخاصّة بتعديل الملامح، وأحضرتها لها فبكت أمها بشدة عندما رأتها، وأخذها السيد "حاتم" زوج السيدة "فيروز" الذي نشرها فورًا على موقع "الفايسبوك" وحاول البحث عنها لكنه لم يصل إلى شيء.
    قلت وقد أصابني الإحباط:
    - فلنستودعها الله وهو سيحفظها، فحتي لو كانت في حضن أمها هو سبحانه الذي يحفظها وليس هي ولا أيّ أحد.
    قال بصوت خافت:
    - أمها تكرر أحد الأدعية كثيرًا.
    "اللهم سخر لها من يرعاها من الصالحين"
    فقد علّمها أحد أئمة المساجد هذا الدعاء، حيث كانت تتردّد عليه وترجوه أن يخبر الناس عن ابنتها كل جمعة ليبحثوا عنها.
    قلت برجاء:
    -آمين آمين
    ران علينا صمت للحظات وقلت بعد أن لاحظت استنشاقه المتكرر و بعمق للأبخرة المتصاعدة من كوب القهوة الذي بين يديه:
    - أراك تشمّ القهوة كثيرًا؟
    قال وهو مغمض لعينيه وقد بدت على وجهه ابتسامة واسعة:
    - لكل ذكرى في حياتي رائحة زكيّة، وطعم حلو لذيذ، ولون جميل.
    قلت متعجبة:
    - كيف!
    أجاب وهو ما يزال يبتسم:
    - رائحة القهوة تذكرني بوجه أمي وتلك السكينة التي كنت أشعر بها كل صباح وهي تتناول قهوتها وأبي يجلس بجوارها هادئًا مطمئنًا ليقرأ جريدة الصباح، وهي تطعمني بيديها وتبتسم لي، وطعم العسل الأسود الممزوج بالطحينة يذكرني بلحظات من الطمأنينة غمرت صدري يومًا عندما كنت أتناول العسل في أحد ليالي الشتاء الباردة، حيث عاد أبي من السفر مشتاقًا لي فحملني بين ذراعيه واحتضنني حتى غلبني النعاس ونمت على كتفه وأنا أشعر بالدفء.
    في الحقيقة يا آنسة "دعاء" أحلام يقظتي وذكرياتي كلها بروائح مميزة ونكهات فريدة وألوان صاخبة..
    وربما مات الحبيبان وضرب الدهر بيني وبينهما بضرباته، وما زلت أروّض نفسي وأمنّيها وأمسح على أوجاعي حتى تهدأ.
    وتبقى رائحة القهوة وطعم العسل ليشعراني بالسكينة والطمأنينة والدفء، وكأنّ أبي وأمي يعيشان هنا
    وأشار"حسام" لصدره وقد بدأت ابتسامته ترتعش على وجهه..ثم عادت نظراته لتستقر على الحائط وشرد قليلًا...
    قلت بعد أن تفكّرت في كلماته:
    - وأنا أيضًا... ما يزال طعم غزل البنات الذي كان يشتريه لي أبي في فمي.
    سألني وهو يطالعني بنظرة غريبة وكأنه يعود تدريجيًا من جولة قصيرة في نفسه حيث تكمن ذكرياته مع أبويه وقد انزوت على وجهه ابتسامة طفولية صغيرة:
    - وبماذا يذكرك طعم غزل البنات؟.... بالسكينة أم بالطمأنينة؟
    ترددت قليلًا وكأنني أفتش في نفسي عن الإجابة، ثم قلت:
    - يذكرني بال..ال....السعادة.
    ابتسم وبدأ يقلّد صوت الباعة الجائلين أمام المدارس وقت خروج التلاميذ وقال بمرح طفولي:
    - غزل البنات ...غزل البنات.
    وفجأة تذكّرت أبي وملمس كفه الدافىء وهو يحتضن كفّي الصغير، وصوته الحنون وهو يخبرني أنّ المدرسة جميلة، ومنديله الناعم وهو يمرره بلطف على وجنتيّ ليجفف به دموعي، وكلماته عندما كان يقول لي:
    - عندما تشعرين بالضيق فكري فيّ وفي أمك، وتخيلينا وكأننا نجلس معك في الفصل...
    وكنت أفعل، وكنت أتخيّل، وكانت حلاوة غزل البنات لا تغادر فمي، شعرت فجأة بحلاوته على طرف لساني فالتفت إلى "حسام"، الذي بدأ يحدثني طويلًا عن لوحاته وعن معرضه الذي يأمل أن يعرض فيه لوحاته قريبا، وعن رغبته في العمل في مجال البحث عن المفقودين برسم صورهم أو أن يشارك في التحقيقات برسم المتهمين عندما يستمع لأوصافهم من الشهود.
    أذهلني طموحه رغم مرضه، وتركته مبتهجًا برائحة القهوة، وقلبي يوجعني على حاله وحال فيروز وأمها وابنتها الضائعة، ودعته وداعًا يجمع بين السرور له والحزن عليه؛ أمّا السرور فلأنه ما يزال يحلم ويفكر ولديه طموح ليعمل، وأما الحزن فلأنه وحيد...
    شعرت أنه أخي الصغير أو ربما كابن لي ، وكأنني قد صرت مسئولة عنه!!
    وانصرفت بقلب غير قلبي وعقل غير عقلي وسرت وأنا أسأل نفسي و أتعجب...
    لماذا أتعثّر بأصحاب الأوجاع على الطريق؟
    ولماذا يحتل كل منهم مساحة في قلبي؟

    ****

  2. #2
    المدير العام
    تاريخ التسجيل
    01-27-16
    المشاركات
    3,162
    معدل تقييم المستوى
    10

    رد: رواية, غزل البنات, 38, 39.

    يبدو أن القصة أوشكت على النهاية، يعطيك العافية أخي فهمي، فهي قصة ماتعة وفيها الكثير من الفوائد، وننتظر كما أظن الحلقة الأخيرة أو ما قبلها بقليل.

  3. #3
    الاعضاء
    تاريخ التسجيل
    01-21-16
    المشاركات
    559
    معدل تقييم المستوى
    75

    رد: رواية, غزل البنات, 38, 39.

    مرحبا
    حقيقة حلقتين رائعتين
    ان مساعدة الناس وسماع آلامهم مهمة صعبة قليل من يندر لها

  4. #4
    المشرف العام
    تاريخ التسجيل
    02-24-16
    المشاركات
    356
    معدل تقييم المستوى
    54

    رد: رواية, غزل البنات, 38, 39.

    بارك الله فيك حبيبينا

  5. #5
    مدير عام
    تاريخ التسجيل
    01-25-16
    المشاركات
    1,108
    معدل تقييم المستوى
    10

    رد: رواية, غزل البنات, 38, 39.

    بوركت أخي فهمي

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المشابهة.

  1. رواية, غزل البنات, 26, 27, 28.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-15-2017, 10:08 AM
  2. رواية, غزل البنات, 6, 7, 8.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-05-2017, 09:29 PM
  3. رواية, غزل البنات, 5.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-03-2017, 06:26 PM
  4. رواية, غزل البنات, 3. 4.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 04-03-2017, 12:42 AM
  5. رواية, غزل البنات, 1, 2.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-02-2017, 09:46 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
تابعنا على facebook تابعنا على twitter قَناةُ الYouTube