قوانين المُنْتَدَيات.

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: رواية, غزل البنات, 40, 41.

  1. #1
    المشرف العام
    تاريخ التسجيل
    01-10-16
    الدولة.
    فلسطين
    العمر.
    20
    المشاركات
    512
    معدل تقييم المستوى
    70

    رواية, غزل البنات, 40, 41.

    40

    عدتُ إلى بيتي بمشاعر متخبطة وقلب مهترئ، فقد أحزنني حال أم "فيروز" ولا شك أن ضياع ابنتها الأخرى أثر سلبًا على حالة فيروز نفسها.

    جلست أقرأ الرواية التي كتبتها "فيروز" عنّي، "الأغلال الناعمة" وفاجأتني كتاباتها مرّة أخرى
    حتى شعرت أن شعر رأسي بدأ يقف من الخوف والدهشة، وشعرت بالرعب، وقفت فجأة وظللت أحملق في ما بين يديّ، بردت أطرافي وشعرت وكأنني أقف على زجاج مهشم!
    كانت الرؤى التي تأتيني في الرسائل من الفتاة الغامضة مكتوبة كما وصفت لي تقريبًا بالرواية بتفاصيل دقيقة لم أخبر" فيروز" بها حتى رائحة الرسائل التي كنت أشمّها، كتبت فيروز عنها، إنها رائحة الصندل
    الآن تذكرت عندما قرأت في الرواية!!
    حتى أنني أسرعت أحضر الصندوق الذي كنت أحتفظ فيه بالرسائل وركضت إلى المطبخ أشعل عودًا من البخور بعطر الصندل، انتشرت رائحة البخور حولي ووقفت أشمها وأتنفس بعمق وعدت إلى غرفتي أشم الرسائل..
    يا إلهي ! كيف عرفت "فيروز" بأمر الرؤى!، ومن تلك الفتاة الغامضة!
    مررت بليلة عصيبة لم أذق فيها طعم النوم، في اليوم التالي كنت أركض على الطريق إلى المدرسة بعد انتهاء طابور الصباح توجّهت فورًا لذلك الفصل الذي جمعت منه الرسائل، وقفت أمام الطالبات بعد أن حييتهن وقلت بصوت جاد:
    أرجو من الطالبة صاحبة الرؤيا التي كتبتها لي في رسالة أن تأتيني في غرفتي للأهمية القصوى
    أرجوها بشدة فالأمر هام بالنسبة إليّ.
    تصفّحت وجوههن باحثة عن تلك الغامضة و نظرات الفضول في أعينهن تلاحقني، تركتهنّ وعدت إلى غرفتي والقلق يأكل رأسي.
    مضى اليوم ولم تأتني أية طالبة، وفي بداية الحصة الأخيرة وبينما المدرسة هادئة وجدتها تقف أمامي إنها "سارة"!
    أشرت إليها أن تقترب وطلبت منها أن تغلق الباب وتجلس، وسألتها:
    - هل أنت صاحبة الرؤى؟
    ابتسمت وهزّت رأسها بقلق وقالت:
    - نعم، أنا أرى الكثير من الرؤى كل ليلة ... كل ليلة، وتكررت الرؤى لك يا أستاذة "دعاء"، أنا أرسل لك البعض منها فقط.
    قلت لها بجديّة وأنا أنظر في عينيها:
    - هناك من كتب الرؤى في رواية كما وصفتِها تمامًا، فهل قرأتِها من قبل؟
    غضبت "سارة" وشعرت بالحرج ووقفت فجأة وقالت:
    - أنا ? أكذب يا أستاذة "دعاء" أقسم بالله أنني أرى تلك الرؤى التي أرسلتها لك وأنا نائمة.
    قلت بارتياب :
    - إذن فسري لي هذا!!
    وأخرجت الدفتر الذي كتبت فيه "فيروز" الرواية، حيث كنت قد وضعت علامات على الرؤى، قرأتها سارة وقالت باندهاش:
    - حتى اسم الرواية ...لقد رأيتك أمس وفي يديك أغلال ناعمة لا تجرح لكنها ملتصقة بمعصميك
    كنتِ معلّقة بها في سحاب أبيض تتأرجحين وكنتِ حزينة.
    شعرت بالذهول وأمسكت الرواية وقلّبت سريعًا في أوراقها، ما وصفته"سارة" منذ لحظات مكتوب بالفعل أيضًا وسط الرواية وبتفاصيل مشابهة ...
    شعرت بارتباك شديد ولاحظت توتّر "سارّة"، وأحببت أن أخفف عنها فجلست أقصّ عليها قصّة "فيروز" من البداية وأخفيت سبب بداية زيارتي للطبيب حتى أحفظ سرّ زميلتها "أميرة" التي لا يعلم أحد بمرضها، وبعد أن انتهيت من كلامي قالت قبل أن تترك الغرفة:
    - أسأل الله أن يشفيها..لا أعلم سبب تشابه كتاباتها والرؤى التي أراها!
    قلت وما زلت قلقة:
    - لعله تلاقي الأرواح...ربما!!
    قالت "سارة::
    -نعم...فأبي يخبرني دائمًا أن للرؤى أسرارًا لن نستطيع تفسيرها أبدًا...اللهم اشفها وعافها يارب..
    قلت بخفوت وأنا أراقبها تبتعد:
    - اللهم آمين.


    41
    في اليوم التالي أتتني رسالة من "نورهان" تخبرني عن خطبتها لـ"طارق" وتدعوني للحضور، ذهبت إليها ولازمتها طوال اليوم وساعدتها في ارتداء فستانها وحذائها وزيّنت البيت معها وضحكنا كثيرًا وكل من بالبيت يراقبنا ويبتسم، حتى حجابها لففته بيديّ حول وجهها الطيب، ونسّقت باقة الورد التي وضعتها بين كفّيها قبل أن أطبع قبلة على جبينها الذي عطرته سجدات كثيرة في الليالي التي مضت وهي تفرّ إلى ربها طائعة محبّة تائبة....
    وفارقتها قبل موعد وصول "طارق" بربع ساعة حتى أتجنب لقاءه وأمه التي رأتني من قبل وحتمًا ستنزعج من وجودي، واكتفيت باقتباس بعض الفرحة من عيني "نورهان"، ومنحتها الكثير من الحب الأخوي من قلبي قبل أن أغادرها متعللة بأمر هام يريدني فيه أخي وقد كان بالفعل ينتظرني في بيته.
    كنت في قمّة الفرح لأن "نورهان" سعيدة حتى أنني شعرت أنني أطير على الطريق وأنا ذاهبة إلى بيت أخي الذي كان يقلّب كفيه ويتعجب من عدم اتصال "طارق"، وينظر إليّ ويتحسر على حالي، حتى أنه ناداني بعد أن انتهينا من تناول فنجان من القهوة وحولنا تتناثر ضحكات "مودة" و"رحمة"، وانزوينا بعيدًا عن زوجته وابنتيه لنتبادل حوارًا سريعًا حيث قال:
    - "دعاء" لا أدري لماذا لم يتصل الدكتور "طارق" مرّة أخرى، فهل دار بينكما حوار ما يشبه ما كنت تقولينه لـ"أحمد"؟
    أجبته وأنا ابتسم، فقد كنت فرحة جدًا لأجلهما:
    - خطب الدكتور"طارق" ابنة الدكتور"أيمن"..."نورهان".
    رفع أخي حاجبيه وقال بدهشة:
    - إذن لم ترفضيه من نفسك لأنه ليس رائعًا ومتدينًا وملتزمًا بالدرجة التي تحلمين بها كما كنت ترددين كثيرًا.
    أجبت وما زالت الابتسامة على وجهي:
    - بل رفضته فعلا لأسباب أخرى، وليتنا لا نتناقش فيها، فقد خطب بالفعل وخطيبته رائعة.
    أطرق في هدوء وقال بحزن:
    - وأنت أيضًا رائعة، ليتك تعيشين الواقع مثل كل البنات، وتتركين طموحاتك الخيالية، لا يوجد إنسان كامل، لا بد أن تستيقظي يا "دعاء"...لقد ضيعتِه من يديك.
    قلت بثقة:
    - أنا سعيدة من أجله ومن أجل صديقتي فهي إنسانة رائعة.
    نظر إليّ وقال بنظرة حزينة:
    - أنا أقصد"أحمد".
    أجبته وقد بدأت ابتسامتي تتقلّص وقلت:
    - لعله خير يا أخي.
    شعرت بالقلق من كلمات أخي، كما شعرت لأول مرة بالحنين إلى "أحمد"، وددت لو جلست معه مرّة أخرى، وتمنيت لو أنني أعرف عنه أي شيء.

    جاء وقت إجازة نصف العام، وقرر خالي "محمد" السفر لأداء العمرة، ووجدت أخي يشجّعني أن أسافر معه وتكفّل بمصاريف السفر!!

    عشت أجمل أيام حياتي في مكّة، كان الطواف حول الكعبة رائعًا، بكيت فيه كثيرًا، وسعيت وصليت وتخلصت من كل الحزن الذي كان يعكر عليّ صفاء قلبي، وغسلت كل أدران نفسي، ودعوت لكل من منحوني يومًا حبًّا ولو بقدر ضئيل، شعرت براحة شديدة، وملأ صدري السلام، دعوت لأخي و زوجته وبناته ثم دعوت لـ"أحمد" كثيرًا.
    أمضيت ساعات أحدّثه في مخيّلتي وأصوغ الجمل مرات ومرات، باحثة عن أفضل وسلية أعبر بها عن رغبتي في تلبية أمله في الزواج مني لأنني أخيرًا أدركت صحة كلامه، وأنه فعلا إنسان رائع.

    وقررت أن أهاتفه، وأخبره أنني أوافق على الزواج منه، وأعتذر عن كل لحظة مرت وأنا أعذبه.
    عدت مع خالي إلى الفندق وحاولت الاتصال بـ"أحمد"، فوجدت هاتفه مغلقًا، كررت الاتصال في نفس اليوم عدة مرات، والحال كما هو..ما زال الهاتف مغلقًا!
    أرسلت رسالة لعلّه يراها عندما يفتح هاتفه:
    "لا أدري لماذا كنت أحيد عن طريقك لئلا ألتقي بك! وأنا التي تبحث عنك الآن في كل مكان..فهل تمنحني دقيقة لأمنحك عمري كله؟"
    لم يأتِني رد على الرسالة، سهرت طوال الليل أنتظر منه اتصالًا، وأهلكتني الظنون، فأرسلت رسالة أخرى واضحة صريحة :
    أوافق وأنتظرك لأقول "نعم....قبلت الزواج"
    ظل الهاتف مغلقًا، أمضيت باقي الأيام بين سجدة ودعوة ورجاء، عدنا أخيرًا إلى أرض مصر، واستقبلنا أخي "جمال" في مطار برج العرب بالإسكندرية، وددت أن أسأله عن "أحمد" لكنني خجلت منه، وظللت أقلّب في الهاتف و حاولت مرة أخرى أن أتصل به.
    رنّ الهاتف أخيرًا، وشعرت بدقّات قلبي تتسارع وتعرّقت يداي وارتجفت، وقبل أن يرد "أحمد" أغلقت بسرعة وقرّرت أن أهاتفه مرّة أخرى عندما أعود إلى البيت بعد أن أستأذن خالي، فقد خجلت من أخي "جمال".
    وصلنا إلى بيت أخي، فتحت "نور" الباب وعلى وجهها تعبير غريب، لا أدري هل هو ضيق أم خوف، أم حسرة، أم حيرة، أم خليط من تلك المشاعر جميعًا.
    دلفت بمرح بعد أن طبعت قبلة على خدها وهي تحتضنني بشوق بالغ، بحثت عن "مودة" و"رحمة" فأخبرتني أنهما نائمتان، أسرعت إليهما فوجدتهما نائمتين، ومعلّق على مقبض خزانتهما فستانان أنيقان أبيضان رائعان، وعلى الخزانة تستند بميل شمعتان من تلك الشموع التي تحملها البنات الصغيرات في الأعراس!
    طرفا الشمعتين يبدوان وكأنهما بالفعل قد اشعلتا، وتعكّر البياض بلفحات سوداء كما تعكّر قلبي بعد أن اشتعلت النار فيه، التفت أسألهما عن الفستانين، وقد وقع في نفسي ما أخشاه فتوجعت، وكأنّ طعنة نافذة اخترقت قلبي، خرجت "نور" من الغرفة وهي تضع يدها على فمها وبدا على أخي التوتر وهو يقول:
    - إنهما... تصرّان على اللّعب بالشّمعتين وارتداء الفستانين كل يوم...حفل زفاف "أحمد" كان منذ أيام، فقد تزوج من "رقية" ابنة خالته، وسيسافر بعد أسبوع إلى السعودية، فقد وقّع عقدًا للعمل هناك في شركة كبيرة، وستلحق به زوجته بعد ذلك إن شاء الله، تم ّالأمر سريعًا، العقبى لك يا "دعاء".
    اغرورقت عيناي بالدموع وأشحت بوجهي عنه وأنا أعضّ على شفتي المرتعشة، وقف أخي وقدغمره حزن شديد وقد لاحظ كربي وتعجّب!، فأنا التي كنت أرفض الزواج من "أحمد"، ولم ينبس ببنت شفة، اقترب خالي وأمسك بكتفي، وقدكان يعلم بسريرتي فقد أخبرته بكلّ شيء حتى رسائلي واتصالاتي كانت بعد أن أخبرته.
    طلب من أخي أن يتركنا وحدنا، وبكيت ما شاء الله لي أن أبكي على كتف خالي، حتى شعرت أن معيني قد جف، وأن قلبي المهترىء ما عاد ينبض.
    ظل خالي بجواري حتى هدأت وسكنت، ظللت بملابسي حتى انفجرت شمس الصباح، وانتزعت لباس الّليل بقسوة ومزّقته وصارت الدنيا أمامي عارية.
    عدت مع خالي سقيمة إلى بيت أمي، ومرّ يومان وأنا أتخبّط من أوجاع حلّت بقلبي، ومررت بليال قمرها مخنوق، وأيام نهارها مشنوق، ثمّ عدت إلى العمل بعد انتهاء إجازة نصف العام.
    لاحظ الجميع في المدرسة حالتي الكئيبة، أشفقت عليّ إحدى المعلّمات ونصحتني أن أبكي وأخبرتني أن الدموع التي لا ثقل لها ستزيل عن صدري ثقلًا كبيرًا، حتى "رباب" التي تبغضني ربتت على كتفي لأول مرة
    كانت غرفتي تمتلئ بالبنات كل يوم، تشاكسنني وتحاولن إضحاكي، ظنّ الجميع أنني فقدت عزيزًا من أقاربي، ولم يدركوا أنني قد متّ في تلك الليلة التي عدت فيها من سفري.
    بحثت عن صدر حان أبثه همومي فتلفّتّ حولي ولم أجد إلا الأستاذة "نوال" التي سمعت مني كلماتي المبعثرة، وتركتني أخرج ما بجعبتي من عبرات...
    يبدو أنني كنت أصدّ "أحمد" وأنا مطمئنة أنه سيعود... لأنه يحبني ولم أفطن إلى أنّه سيملّ و يرحل
    وغرقت في أحلام مستحيلة شوشت رؤيتي، وأعمت قلبي، حتى أنني لم أدرك أنني أحبّه كل هذا الحبّ!
    احتضنتني وقالت وهي تربت على ظهري كالطفل الصغير الذي تهدهده أمه ليسكن:
    - بعض الأمنيات مستحيلة، والبعض لا نتحصل عليها لحكمة وللطف خفيّ من رب رحيم يعلم كيف نتحمّل وإلى أيّ حد نطيق، فيرزقنا، ويحجب عنا، وفي المنع منه كل العطاء.
    أراح هذا التفسير عقلي المضطرب والمشوّش وربتت كلماتها على صدري، وتنفّست قليلًا، وتذكرت إيماني، ورجوت الله أن ينتشلني مما أنا فيه.
    واعترتني حالة من الصمت حتى أنني صرت أستلذّه وأستعذبه، وصارت الكلمات خطوة إلى مصير مجهول لا أريد الوصول إليه، لأن الصمت هو اللغة الوحيدة التي ستريحني.
    وعندما كانت الكلمات تغريني بالنهوض من جديد كنت أخذلها فتسقط من بين يديّ، لأن في قلبي أسى، وفي حناياي لوعة، ولا أحد يجيد قراءة صفحات صمتي، ولا يسمع همس سكوتي ...هجرتهم جميعًا .
    صرت أبكي من الداخل بلا دموع،
    صارت صفحات البوح عندي فارغة،
    صار لديّ ندبة عميقة في قلبي.
    تعكّزت على ابتهالي في وقت السحر، واتخذت من الاستغفار ترياقًا للسمّ الذي يجري في دمي، ما عادت الأحلام تغمرني فقد فقدت لذّتها، سئمت ومللت من التوق الدائم إليها!
    قررت أن أكون عكازًا لغيري، وعزمت على تكريس ما تبقى من حياتي لله، أكملت العام و"أميرة" تستند على كتفي، وألاحقها من آن لآخر بابتسامة وجرعة أمل،
    كنت أبحث عن أية طالبة تحتاج إلى عون أو إرشاد فأهرع إليها..
    كانت "نورهان" تزورني من آن لآخر، وكنت أطمئن منها على "فيروز" التي علمت أن حالتها ما زالت تتأرجح بين هدوء ثم انهيار، وقررت أن أزورها بانتظام لأمنحها بعضًا من الحب، وتمنحني الكثير من الحنان، وترددت هل أخبرها أن هناك فتاة ترى الرؤى ذاتها التي تكتبها أم لا، فقد شغلتني همومي عن هذا الأمر...ودارت بي الأيام.

    وذات صباح، كنت أجلس في غرفتي بالمدرسة، حيث دخلت من طرف النافذة حزمة غريبة من خيوط الشمس جعلت المكان حالمًا....
    أتتني الرسالة الأخيرة على لسان "سارّة" التي جلست أمامي لتقول بصوتها المحبب إلى قلبي:
    - أستاذة "دعاء" رأيتك أمس في رؤيا جديدة!!
    أجبرت نفسي على الابتسام وكان عبء ما أحمله ثقيلًا، وقلت بمرح مصطنع:
    - هات ما عندك يا صاحبة الرؤى الغامضة.
    ابتسمت وقالت ببهجة وهي تتأملني بعينيها الخضراوتين:
    - رأيتك وقد عاد الحصان الأسود هزيلًا وأنت تطعمينه حتى يشبع، وما زالت الحدوة اللجين في يدك، لكنها أصبحت كالسوار، ثم ينحني الحصان مرة أخرى فتركبين وتعبرين إلى مستطيل أخضر، على جانبيه نهران من ماء رقراق عذب، رأيتك كأميرة تاجها تتحدر منه اللآلىء، وأمامك فتاة رائعة الجمال، كانت جميلة وكنتِ سعيدة.
    أسعدتني تلك الرؤيا، وشعرت بانشراح صدري، وقلت في نفسي لعلّني سأموت قريبًا وسألقى أختي ونسعد في الجنة معًا، وأرتاح من الدنيا.
    سألتني "سارة" بفضول:
    -هل كتبت السيّدة "فيروز"عن تلك الرؤيا أيضًا في روايتها يا أستاذة "دعاء"؟
    قلت وما زلت أتعجب من تشابه الرؤى التي تراها "سارة" بكتابات "فيروز":
    -لا أعرف حبيبتي، لم أجد هذا في روايتها، سأزورها غدًا إن شاء الله ربما تخبرني بشيء جديد.
    قالت بخفوت وهي تغادرني:
    -أسأل الله أن يشفيها وكل مريض.
    دعوت معها ثم قلت:

    آمين، وأن تعود أختها التي ضاعت من يدها منذ سنوات لأحضانهم.
    وقفت فجأة وتسمّرت مكانها ثم استدارت وعلى وجهها علامات الذهول واقتربت من المكتب ووضعت كفّيها عليه واقتربت بوجهها من وجهي وسألتني بانفعال:
    - هل لها أخت مفقودة؟
    قلت وقد بدأت دقات قلبي تشبه دقات طبول الحرب وأنا أقف وقد انتبهت الآن فقط إلى لون عيني سارة الذي يشبه لون عيني "ياسمين" ابنة "فيروز":
    - نعم يا سارة.. هل ستخبرينني بشيء الآن!
    قولي هيا...هيا أخبريني...
    رّدت بصوت متلعثم من الاضطراب وقالت:
    -أنا....أأأنا...وجدني أبي الذي يربيني الآن هو وزوجته على الشاطئ هنا بالإسكندرية منذ سنوات
    كنت أبكي ولا أعرف شيئًا، أخبرني أنني كنت أردد كلمات غير مفهومة، وكنت أكرر كلمة واحدة "فرحة.. فرحة"
    حملاني إلى أقرب قسم للشرطة وجلسا معي ومعهما ابنتاهما، تم تحرير محضر وأخذاني معهما لبيتهما خارج الإسكندرية فنحن لم ننتقل إليها إلا منذ عامين، تردد أبي عليهم ليسألهم كل أسبوع إن كان هناك من سأل عني، حتى أنه كان يحملني على كتفيه ويسير على الشاطئ أمام الناس ويسألهم لعل هناك من يبحث عني أو يعرفني.. ومضى الصيف وخلا الشاطئ من المصطافين ثم مرت ثمانية أشهر ولم يسأل عني أحد، تم تسليمي لدار أيتام وظلّ أبي و أمي يترددان على الملجأ حتى أعطوني اسما تخيره أبي..."سارّة"، ونسبوني فيه لاسم آخر غير اسمه ليتمكن أبي من اصطحابي ليربيني في بيته مع بناته، وحتى الآن يبحث عن أهلي، أتعلمين يا أستاذة دعاء
    كبرت وأنا أتساءل لماذا أكتب على كرّاستي اسمًا يختلف عن شقيقتيّ، وبكيت كثيرًا عندما ألبسني الحجاب بيديه وأخبرني أنه غريب عني، أرجوك تعالي معي إلى البيت لنخبرهم وخذيني إلى "فيروز " ولنجرّب لعلها أختي وأمّها أمي وسأحضر معي ملابسي التي كنت أرتديها يوم وجدني أبي..ما زلت أحتفظ بها، وكذلك صوري وأنا صغيرة..أرجوك...أرجوك.
    مسحت دموعي التي سالت على كتفها كما سالت دموعها على كتفي بعد عناق طويل ومضيت معها إلى بيتها وقصصنا عليهم ما حدث، وجاءت معنا أمّها التي ربتها ومعها بناتها، وبدا لي أنهم يحبونها كثيرًا
    وكان معنا والدها الذي ربّاها، والذي كان لسانه يلهج بالذكر والحمد والتكبير.
    كنت أرتجف ونحن نمضي في الطرقات حتى وصلنا إلى غرفة "فيروز"، وأخذت من "سارة" الملابس التي كانت ترتديها منذ أكثر من عشر سنوات لأمهّد لدخولها عليهم.
    طرقت باب الغرفة لأعلن عن وصولي وانتظرت قليلًا ثم دفعت الدفّة بلطف ودلفت وأنا أحمل الملابس بين يديّ
    رمتني "فيروز" -التي كانت جالسة كما رأيتها أول مرّة- بنظرة وكادت أن تستردها سريعًا لولا أنها علقت بالملابس في يدي..
    ثم فتحت فمها ورفعت حاجبيها وقفزت من فوق فراشها وشهقت بفزع ثم صرخت وهي تشير بأصابعها للملابس وكأنها تتأكد مني وقالت:
    "فرح" ! إنها ملابس حبيبتي "فرح"!
    رفعت إليها عينيّ المليئتين بالدموع وهتفت في تأثر:
    نعم...هي...هي فرح..
    لا أذكر ما الذي حدث فقد كنا جميعًا نصرخ بعد أن هبّت علينا عاصفة من الفرحة تحمل سحبًا محمّلة بكل البشريات أمطرتنا بمزيج من المشاعر الحلوة، وبين سجدة شكر وقبلات وأحضان والكثير من الدّموع كنا ندور حول أنفسنا وحول بعضنا البعض، حتى الممرضات شاركتنا العبرات، ورأيت الدكتور "طارق" يبكي لأول مرة!
    علمت بعدها أن "فيروز" كانت ترى تقريبًا نفس الرؤى التي تراها "سارة" في نفس الوقت باختلاف خفيف، وأن الأوراق التي كتبت فيها" سارة" الرسائل، كانت محفوظة في درج بمكتب أبيها به زجاجة عطر صغيرة قد انسكبت منذ فترة وتشرّبها الخشب وكانت براحة الصندل، وأن "فيروز" كانت تشم رائحة كتلك في أحلامها وتستيقظ والرائحة ما تزال في أنفها!
    أدركت أن هناك أحلام أخرى تختلف عن تلك التي نتخيّلها بأنفسنا، أحلام ? دخل لنا فيها، هديّة من الله لبعض ا?رواح الطاهرة، فيها بشريات لهم ولغيرهم..
    التقيت في هذا اليوم بالدكتور "أيمن" الذي شاركنا الفرحة ودار بيننا حوار قصير عن رسالة الماجيستير التي أخبرته بخجل أنني لم أقدم أوراقها حتى الآن، ووجدته يخبرني قبل أن يتركنا لانشغاله الشديد:
    - لا شك أنك الآن تدركين يا "دعاء" أن حالة "أميرة" تختلف عن "فيروز"، وأن حالة "فيروز" تختلف عن "حسام"، وأن ليس كل من يحلم أو يتخيل مريضًا ويحتاج إلى علاج ، وأن هناك من يتألمون أحيانًا... لكنهم مبدعين.
    فكلنا نحلم ونتخيّل ونتمنى بدرجات متفاوتة.. بعض الأحلام نراها في يقظتنا، والبعض يداهمنا ونحن غارقون في سبات عميق...
    قاطعته بلطف وأضفت:
    - وبعض الأحلام لا نستطيع تفسيرها كتلك الرؤى التي رأتها "سارة" ورأت مثلها شقيقتها "فيروز" في نفس الوقت وبتشابه للكثير من التفاصيل والرموز... سبحان الله!
    هزّ رأسه موافقًا ورفع حاجبيه وقال :
    النفس البشرية، والروح، والخيال، والنوم، إعجاز من الله يا ابنتي، والله عزّ وجلّ خلق فينا ما لم ندركه بعد من أسرار خفيّة...
    استأذن في الانصراف واعتذرت عن تعطيلي إيّاه، وعدت لبيتي تلك الليلة وأنا أشعر بالسكينة، فقد كنت أحتاج إلى جرعة من هذا السلام النفسي لأضمد جراح قلبي، ونمت نومًا عميقًا لم أنمه من أسابيعٍ طويلة، فقد عادت "سارة" لبيت أمها بـ"فرح" وكانت هي "فرح"، ذاك الفرح الذي غادرني عندما خسرت "أحمد".

    ******

  2. #2
    المدير العام
    تاريخ التسجيل
    01-21-16
    المشاركات
    520
    معدل تقييم المستوى
    10

    رد: رواية, غزل البنات, 40, 41.

    حقا انها حلقتين عجيبتين لما عادت دعاء لأحمد هرب أحمد والبنت التي ضاعت هي سارة توقعت ذلك في نصف الحلقة
    سبحان الله يا لها من رواية عجيبة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المشابهة.

  1. رواية, غزل البنات, 37.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-19-2017, 05:52 PM
  2. رواية, غزل البنات, 26, 27, 28.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-15-2017, 10:08 AM
  3. رواية, غزل البنات, 5.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-03-2017, 06:26 PM
  4. رواية, غزل البنات, 3. 4.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 04-03-2017, 12:42 AM
  5. رواية, غزل البنات, 1, 2.
    بواسطة فهمي دوابشة في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-02-2017, 09:46 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
تابعنا على facebook تابعنا على twitter قَناةُ الYouTube