الحلقة 18
تحويل وتصحيح وتنسيق (د\سعيد فرج الضرير ،المشهور بينكم ()بسعيد المصري )
هذه الرواية ملك لجروب (محبي قراءة الوورد )
تفضلي، تفضلي يا حبيبتي... سماح بالداخل...
قبلت ندى الخالة سعاد، وسارت خلفها في اتجاه غرفة سماح.
قادتها سعاد إلى الداخل ثم غادرت الغرفة، وهي تضرب كفا بكف،
وفي عينيها نظرة مشفقة. ، ذبلت الفتاة وذهبت نضارتها ,
عادت بعد قليل وهي تحمل طبق المشروب.
اشارت إلى سماح التي جلست على طرف السرير تلهو بضفيرتها :
غيري ملابسك,.. سيصل الضيوف بعد قليل!
ما إن غادرت سعاد حتى التفتت ندى إلى سماح وهي تقول في ارتباك:
عندكم ناس اليوم؟
يبدو أنني أتيت في وقت غير مناسب... تضرجت وجنتا سماح وهي تقول مدارية خجلها :
لا أبدا لا أبدا.. سأخرج قليلا لؤسلم على الضيوف ثم أرجع إليك...
ثم اضافت وهي تطرق برأسها وأصابعها لا تتوقف عن لي خصلاتها المتموجة:
في الحقيقة، انا سعيدة لأنك أتيت!
نظرت إليها ندى متفرسة للحظات.
لم يكن هناك مجال للشك.
التوتر البادي في حركتها، والاحمرار الذي صبغ وجهها لا يحتمل الكثير من المعاني.
ضيقت عينيها وهي تقترب منها وعلى شفتيها ابتسامة ظافرة:
تعالي هنا، أخبريني الآن بكل شيء
رفعت سماح رأسها في حياء، وهمست بصوت رقيق يهزه نغم الفرح
أيهم خطبني من احمد...
وستأتي عائلته الآن لطلبي رسميا...
اتسعت ابتسامة ندى، وتخلصت من شحوبها وهي تعانق سماح مهنئة.
ثم اضافت متسائلة:
هل تعرفين ادهم جيدا؟
أعرفه من خلال حديث أحمد عنه.
كما أنني رأيته بضع مرات في زياراته لأحمد في البيت.
غمزتها ندى وهي تقول مداعبة:
يبدو أنه رآك ايضا في زياراته وتركت في نفسه أثرا!
ازداد احمرار وجهها من الإحراج، ثم قالت مغيرة الموضوع:
وأنت... كيف حا لك الآن؟
هزت ندى رأسها مطمئنة وهي تقول:
بخير... لا تقلقي علي.
نظرت إليها سماح مطولا دون أن تعلق. لم يكن ضعفها ليخفى عن العيون، لكن ضعفها النفسي هو ما تخشاه.
ربتت كفها وهي تقول مبتسمة:
وكيف حال أحمد معك؟
بدا على ندى الارتباك وهي تقول مشيحة بوجهها:
- لست أدري...
-كيف لا تدرين؟ ألا يتصل بك؟
سكتت ندى للحظات، مترددة، هل تخبرها بأنها تحس بتغيره ناحيتها ؟
حتى إن اتصل بها فهو يبدو ساهما، مخطوف الخاطر مشغول البال,لم تعد بينهما لا لقاءات ولا مناقشات ولا حوارات...
حديثهما لا يتعدى السؤال عن الأحوال، ثم اعتذارات لا تنتهي.
اختبارات، مشاريع، اشغال. لديه الكثير من الاهتمامات وجدوله لا يسعها إلى جانبها !
هل صارت جدولا ثقيلا عليه الآن؟، مرقدها الطويل وانهيارها وتدهور صحتها .
لا شك أنه بات يملها، ويمل مشاكلها التي لا تنتهي.
بعض الرجال يفضلونا المرأة الضعيفة التي تعتمد عليهم في كل شيء
لكن احمد ليس من ذلك النوع، اعجب بشخصيتها القوية وحضورها الحيوي.
من الطبيعي أن يهملها وقد فقدت روحها شعلتها.
اغرورقت عيناها بالدموع. ربما كان لإهماله وغيابه نصيب فيما آل إليه وضعها.
تحتاج إلى وجوده إلى جانبها.
إلى كلماته القوية التي تدفع الأمل دفعا إلى نفسها.
تشتاق حتى إلى مشاحناتهما وجدالهما بخصوص الدين والعقيدة.
كانت تلك السجالات تشب بينهما وتشد كلا منهما إلى الآخر.
أما الآن فقد حل محلها الفراغ.
مرت قرابة ستة أشهر على الخطبة.
كل ما حاولت معرفة مخططاته بشأن مستقبلهما، وجدت منه تهربا.
لم يعد موضوع الزواج يثير حماسه مثل السابق.
ما زالت تذكر حديث الضيعة ومشاريعه التي أسر بها إليها في ذلك المساء.
لكن هو...
يبدو أنه نسيها أو يتناساها.
احتضنت سماح كفها في عطف وهمست مواسية :
أخبريني هل أساء إليك أحمد بكلمة؟
اشكيه إلي، وسترين ما سأفعل به حين يأتي بعد قليل!
رفعت ندى عينيها إليها ملتفتة: ' أحمد أتى ؟
نعم... سيرافق ادهم وعائلته...
وقفت ندى في اضطراب، وقالت وهي تتناول حقيبة يدها:
إذن يجب أن اذهب الآن!
انتظري!
لكن ندى لم تمهلها، وانطلقت خارج الغرفة على عجل والدموع تملأ عينيها.
توقفت سماح للحظات في شك.
ما الذي يحصل مع أحمد حتى يهمل ندى بهذا الشكل؟
هل يكون قد ملها حقا، وبات يفكر في فسخ الخطبة؟
هل تتحقق نبوأتها التي بشرت بها والدتها حين أعلن أحمد عن رغبته في هذه الخطبة؟
لم تكن حينها قد تعرفت إلى ندى جيدا... لم تكن قد احبتها بعد وتعلقت بها،
كما تعلقت بها العائلة التي اندمجت بين أفرادها.
ندى ايضا أحبت الجميع.,
ئخاصة أحمد، وذاك واضح في نظراتها وحركاتها، وفي شكواها الصامتة هذا المساء.
غضبت من أخيها وأحضرت في نفسها حديثا طويلا، نوت أن تصبه على مسامعه تلك الليلة. لم يكن قد عاد إلى البيت منذ اسابيع، متحججا بالاختبارات،
وصار لا بد من المواجهة!
كانت تهم باللحاق بندى ؛حين سمعت الباب يفتح، وخطوات ثقيلة تتقدم في الممر.
أصاخت السمع في توتر، وقد عادت إلى التفكير في مسألتها
هل يكون ضيوفها» قد وصلوإ ؟
اختفى وقع الخطوات للحظات... ثم عاد بقوة وعجلة، كأنها تقترب.
سارعت بإغلاق باب غرفتها، واسذدت ظهرها إليه وهي تفكر في ما ستلاقيه.
فجأة،جاءتها دقات على الباب من خلفها.
قفزت في فزع، وهمست في حذر: -من هناك؟ -
أنا أحمد... افتحي!
كان صوته مشحونا بالقلق، مما جعل سماح تسارع بفتح الباب، وقد سرى القلق إليها.
هل يكون حصل لأيهم وعائلته شيء؟، هل أجلوا الخطبة؟
تسارعت دقات قلبها وهي تسأله في جزع:
أحمد ، هناك شيء؟
سألها بدوره في اهتمام: -ما بال ندى؟
آه، يبدو أنه لقيها في الممر قبل مغادرتها .
حدقت فيه سماح للحظات، ثم اشاحت بوجهها وعقدت ذراعيها أمام صدرها، وهي تبتعد عنه بخطوات بطيئة:
كنتُ سأطرح عليك نفس السؤال، ثم استدارت لتواجهه بنظرة صارمة :
-ما الذي فعلته بندى يا أحمد؟
في تلك اللحظة تعالت الزغاريد قادمة من غرفة الجلوس.
تجمدت أوصال سماح وهي تطالع اخاها في حيرة. لكن احمد لم يمهلها،
بل تنهد وهو يربت على كتفها:
إنهم يطلبونك... ، سنتحدث في أمر ندى لاحقا...
صرخت سماح في غيظ، وهي تذهب إلى خزانة ملابسها في توتر:
لم تخبرني بأنهم قد وصلوا! يجب أن أجد ثوبا الآن...
يا إلهي!
ابتسم احمد ساخرا ، وهو يفتح الباب ثم همس في خبث:
حظا موفقا يا أختاه!
وضع كفيه وراء رأسه، ودفع بالكرسي إلى الخلف ليرفع عينيه إلى السماء.
لبث يتأرجح على القائمتين الخلفيتين للكرسي، ونظراته سارحة بين النجوم التي تزين الرداء الذهبي. كانت أولى ليالي الربيع الصافية. الطقس لا يزال باردا ، خاصة في المساء لكن الغبى كانت قد انحسرت لتكشف عن لآلئ الفضاء البعيدة.
تنهد بقوة وهو يعيد الكرسي إلى وضعيته المستقيمة، ويغطي وجهه بيديه في إعياء.
يعلم ان ندى غاضبة منه، ومن حقها أن تغضب.
فقد أهملها وتجاهلها طوال الأسابيع الماضية...
وعن قصد ايضا، اصبح يفكر جديا في قطع علاقته بها.
استغرب من نفسه حين راوده هذا الخاطر للمرة الأولى.
كيف يتخلى عنها وهما لا يكادان يبدآن طريقهما المشترك؟
اختارها بنفسه ولم يجبره عليها أحد بل واجه عائلته وكل حواجز المجتمع والعرف من أجل ارتباطه بها.
تشبث بحلمه، وعاهد نفسه على إخرا جها من غياهب الجهل إلى نور الإيمان,
بدأ طريقه بحماس وقوة وهو يرى الأمل على قيد خطوات...
كل خطوة تقربه منه أكثر.
لم يفتر يقينه لحظة واحدة طوال نقاشاتهما الحادة أحيانا والعتيدة غالبا.
مواعيدهما كانت ساعات متعة حقيقية.., فيها أخذ وعطاء.
جعلته يبحث أكثر ويزداد تعمقا في معرفة دينه قبل دينها.
كان متفائلن. كان مندفعا كان يعيش التجربة بكل كيانه.
فما الذي تغير؟
لم يتغير شيء... في أحلامه، او مشاعره، او يقينه.
لكنه أدرك متأخرا بأنه لم يحسب حساب بعض التفاصيل
أدرك ذلك إبان الحادثة الأخيرة التي هزت ندى بعنف وغيرت حياتها.
كان من الواضح أنها تعيش تجربة فقد الأحباب للمرة الأولى.
تكتشف معنى الشهادة التي كانت تجهل عنها كل شيء.
ترى الموت يخطف حياة يافعة لم تقطع سوى شوط يسير في رحلة الحياة.
ندى لم تتحمل فقدان ريما التي لم تعرفها سوى لفترة يسيرة.
انهارت ولبثت طريحة الفراش، بالكاد تهي ما يحصل حولها. رأى بنفسه خوفها وهلعها رأى ضعفها واأمها . وقف إلى جانبها ، واساها وبث في نفسها القوة
حتى تجاوزت أزمتها وعادت إلى الحياة.
لكن الأحداث تركت في نفسها أثرا لا يمحى...
لم يخفى عنه شيء من ذلك.
قادته أفكاره إلى ظروف أخرى مشابهة أو أشد قسوة.
لقد اختار طريقه منذ فترة.
اختار جهاد النفس والجسد.
وهي طريق وعرة محفوفة بالمكاره.
ليس يرهبها او يتراجع أمامها، فهو يحمل عقيدة مختلفة .
يحلم بإحدى الحسنيين... ، النصر أو الشهادة.
لكن هي
هل يمكنها أن تتحمل؟
البلد على أبواب حرب، بل هي في حرب مستمرة.
هل ستشجعه وتشد من أزره ليقوم بواجبه تجاه دينه وبلده،
أم أنها ستشده إلى الخلف حيطة وحذرا ؟
يكاد يجزم بأنها ستعرقل مسعاه أكثر مما ستعاضده! ليست مستعدة للتضحية.
بل لعلها لا تدرك معناها.
ثم قد لا يكون على الدوام إلى جانبها ليواسيها ويصبرها
ما الذي سيحدث لها لو أصابه مكروه ؟
هل تستمر الحياة فيها إن خرج يوما ولم يعد؟
زفر بشدة وهو يضرب بقبضته على جبينه.
المسألة تحتاج إلى إيمان.,,
إيمان شديد وتصديق بالقضية!
وهي وإن ابدت تعاطفا ومساندة معنوية، فهي لا تحمل أيا منهما!
ذلك هو الفارق بينها وبين شقيقته سماح.
حين أخبرها بخطبة صديقه ايهم لها حرص على توضيح كل ظروفه.
شرح لها ما ينتظرها، والدور الذي ستلعبه مع زوجها المستقبلي، ففاضت عيناها بالدمع من التأثر، ولم تتردد في القبول.
كان ذلك حلمها... أن تقف إلى جانب زوجٍ مجاهد.
وذاك هو الفارق...
كل الفارق!


أمسكت سماح بين يديها الهاتف المحمول الجديد، وأخذت تقلبه في إعجاب: -
مبارك، إنه جميل جدا ، ضحك أحمد وهويأخذه منها وقال ساخرا:
- لايهمني جماله، بقدرما تهمني وظيفته.
هذه وسيلة اتصال وليست حلية!
اختطفته سماح من يده مجددا وهتفت في احتجاج: -
أنا أيضا أريد واحدا!
زجرتها والدتها في حزم: -
وما حاجتك إلى هاتف محمول؟ ، يمكنك الاتصال وتلقي المكالمات على هاتف المنزل
أخوكي بعيدٌن عنا، ولا نتمكن من الاطمئنان عليه وقتما نشاء.
واصلت وهي ترمي أحمد بنظرة جانبية:
كما أنه شحيح بالاتصالات، يقلقنا بغيابه دائما!
ابتسم احمد وهو ينحني على رأس والدته ليقبلها، وقال مطمئنا: -
من الآن فصاعدا يمكنك الاتصال بي في كل وقت.
أصبحت لديك وسيلة مراقبة مستمرة؛
قال ذلك في مرح، لكن سرعان ما تلاشت ابتسامته، وسرحت نظراته في الفراغ.
كان هناك سبب آخر وراء شرائه للهاتف، لم يفصح عنه لعائلته.
سبب تلقي المكالمات ألعاجلة في كل وقت...
المكالمات التي تحمل الأوامر والتعليمات. فقد باتت اللحظة الحاسمة وشيكة.
انتبه على صوت شقيقته وهي تسأله:، هل علمت ندى بشأن الهاتف الجديد؟
شحب وجهه فجأة على ذكر ندى، وهز رأسه نافيا:
-ليس بعد...
إذن نذهب لزيارتها هذا المساء ونخبرها!
سكت أحمد للحظات متفكرا.
إلى متى سيظل يتجنبها ويهرب منها.
ربما آن الأوان ليواجهها، ويضع حدا لمعاناتها.
شدت سماح ياقة قميصه في إلحاح:
ماذا قلت؟
رسم على شفتيه ابتسامة باردة وهو يقول:
نعم... بالتأكيد...

علا صوت منبه السيارة في الخارج. ألقت ندى نظرة أخيرة على هندامها قبل ان تتناول حقيبة يدها وتتوجه إلى الباب على عجل.
هتفت قبل ان تتجاوز عتبة المدخل:
- أنا ذاهبة يا أمي,,.
جاءها صوت سونيا من غرفة الجلوس، وهي تقول في حزم: -
لا تتأخري!
جذبت الباب لتغلقه، وسا رت بخطوات مرتبكة نحو السيارة.
وبسرعة، عادت إليها ذكريات لقائها الأول بأحمد، حين انفجر إطار السيارة نفسها في هذا الشارع.
أفتر ثغرها عن شبح ابتسامة باهتة ، وهي تتخذ مقعدها في الخلف.
مضت شهور طويله على تلك الحادثة، وها هي اليوم تصعد إلى السيارة، يقودها جريح الأمس.
— كيف حالك ندى؟
اخرجها صوته من ذكريات البدايات.
نفس الصوت الدافئ الذي باتت ليالي طويلة تسترجعه، قبل أن يتحول حلمها إلى حقيقة.
لكن لا,.. ليست هذه نفس النغمة الحانية التي كانت ترافق كلماته.
فتور غريب في صوته.
ربما اعتادت منه الفتور في الفترة الأخيرة، لكنها لم تتعود عليه أبدا.
تأمل أن يعود يوما احمد الذي عرفته وانتظرته.
بخير ،اجابت باقتضاب، ونظراتها تفر عبر زجاج النافذة، حتى لا يلمح بوادر العبرات التي لا تكاد تغادر أعتاب رموشها منذ فترة،
تروم الانحدار على وجنتيها وكبرياء عنيد يمنعها.
تكلم مصطنعا المرح:
والآن... إلى اين يا أنسات؟
تطوعت سماح لتضع برنامج اليوم بعفويتها وحماسها المعهودين:
أولا نذهب إلى السوق، لاقتناء بعض الأقمشة. ، ثم نتوجه إلى المتاجر في وسط المدينة...
أنا وندى نريد ان نتفرج على الفساتين الجديدة.
ومن ثم نمضي إلى محل المرطبات لاختيار الكعك والحلويات.
قاطعها أحمد متأففا:
- طيب، طيب...
لكن لا تتأخرا كثيرا في كل مكان، فالجميع ينتظروننا على العشاء في المزرعة!
ابتسمت ندى ولم تعلق، وسرحت تتفرج على واجهات المباني عبر النافذة.
كانت تحس بنظراته تتسلل إليها بين الفينة والأخرى عبر المرأة العاكسة، كأنه يستجوبها في صمت.
لكنها تجاهلت نداءات عينيه، وفضلت تأجيل الحديث لما بعد.
كانت سعيدة لأنه خطا خطوة باتجاهها بعد طول انقطاع.
لكن ذلك بالتأكيد ليس كافيا. هنالك حديث طويل في خاطر كل منهما، وتعلم بعد كيف ستكون النتيجة,
تريد أن توضح كل شيء هذه المرة، وتتأكد من بقائه على العهد.
وإلا... فلا داعي إلى إطالة الألم أكثر.
انتبهت حين توقفت السيارة على مقربة من السوق، ترجل الجميع وتقدموا في اتجاه المعروضات.
ترك أحمد سماح وندى تتقدمانه، وثار خلفهما في تؤدة.
كانت عيناه تجولان عبر السلع دون تركيز، في حين كان اهتمامه منصبا على حماية مرافقتيه من محاولات مرتادي السوق للمعاكسة او السلب.
كان يتابع حركات ندى المرتبكة وهي تمشيء أمامه.
تتوقف حين تتوقف سماح، وتلقي نظرة ساهمة على ما تريها إياه من حاجيات، وتهز رأسها في شرود وتكتفي ببضع كلمات مقتضبة.
لم تكن مستمتعة بالتسوق، ولا هو كان مهتما.
بدت سماح المستفيدة الوحيدة من الفسحة، وإن كانت قد تعللت بها لتعطيهما فرصة اللقاء والحديث بعيدا عن كبار العائلة!
لكن أجواء السوق الصاخبة لم تكن مناسبة للموضوع الشائك الذي يتأهب لفتحه.
مرت جولة السوق دون أن يوجه أحدهما الخطاب للآخر، ولم تكن الرحلة بين متاجر الملابس بأوفر حظا.
وقف أحمد بمفرده إلى جانب السيارة بعد الن غابت الفتاتان داخل أحد المتاجر. لم يكن قد حسم أمره بعد بشأن محادثة ندى. فالأمر ليس بالسهولة التي توقعها.
كيف سيقدم الموضوع، وكيف سيوضح لها وجهة نظره؟ هل يجوز أن يفاجئها بهذا الشكل في الطريق العام بهواجسه؟ كيف ستكون ردة فعلها ؟
ربما من الأفضل أن يحدثها على الهاتف بعد العودة..، او في مكان هادئ، كالمزرعة مثلا.
فهم على أية حال سيتوجهان إليها بعد جولة السوق .
اطمأن خاطره إلى هذه الفكرة، واستقر رأيه عليها ,
لن يجد فرصة أفضل من هذه حتى يصارحها بمخاوفه,
فجأة أخذ هاتفه في الرنين. عقد حاجبيه وهو يطالع الرقم الذي ظهر على الشاشة في قلق
لم تمضي سوى بضعة أيام على شرائه للخط، وعدد قليل جدا من الأشخاص يعرفون الرقم.
ضغط على زر الإجابة بسرعة، واستمع إلى صوت محدثه.
ما إن وصلته الكلمات الأولى حتى استرعت كل انتباهه.
أصغى في كل اهتمام لبضع ثوان، ثم قال في قلق:
هل يمكن تأجيل المشوار لبضع ساعات؟، معي امرأتان في السيارة...
توترت أصابعه التي أخذت تنقر مقدمة السيارة في عصبية. ، لم يكن هناك بد من الإذعان.
بعد ثوان قليلة كان ينهي المكالمة في انزعاج واضح.
اغمض عينيه وهو يزفر بشدة ليستعيد برودة أعصابه.
إنه في حاجة إلى الهدوؤ والتركيذ لينَفذ الخطوات الدقيقة التي طلبت منه...
أحمد، انت بخير؟
انتبه حين جاءه صوت سماح.
فتح عينيه ليجد الفتاتين تقفان أمامه ونظرات القلق تطل من عيونهما.
هل ظهر توتره على وجهه إلى هذا الحد؟، اجتهد ليبتسم ويقول في لا مبالاة:
آه، نعم لا تقلقي. بعض التعب لا غير.
هل أنهيتما الشراء؟، اجابت سماح في مرحها الاعتيادي:
تقريبا، لكن يجب أن نذهب إلى الشارع الآخر. هناك متاجر لم يتسن لي الوقت لزيارتها من قبل!
قاطعها احمد فورا بلهجة حازمة:
يكفي لهذا اليوم... سأقلاكما إلى المزرعة الآن لدي مشوار عاجل هذا المساء.
اما المشتروات فيمكنها الانتظار...
حاولت سماح أن تحتج معبرة عن خيبة أملها، لكن أحمد تجاهل حركاتها الطفولية، وسارع بتشغيل محرك السيارة معلنا عن استعداده للانطلاق.
وما إن استقر بهم المقام في السيارة من جديد حتى عادت سماح إلى أحاديثها المسلية، كأن شيئا لم يكن.
ابتسم في رضا، وهو يطالع صورتها في المرآة العاكسة والسيارة تنطلق بهم عبر الشوارع المزدحمة.
لكن ابتسامته اختفت فجأة حين التقت عيناه بنظرات ندى المستفسرة.
كأنها أحست بعدم زوال توتره الذي يحاول إخفاءه خلف قناع الا مبالاة.
لكنه سرعان ما انشغل عنها وراح يفكر في المهمة التي تنتظره.
اضطر إلى قطع الجولة مبكرا نظرا لاستعجال الأمر.
الأحداث تتسارع في الفترة الأخيرة، ولا يمكنه إهمال الأولويات...
سيعوضى شقيقته مرة أخرى.
كان يهم باتخاذ الطريق السريعة التي تؤدي إلى خارج المدينة، خطرت بباله فكرة ما، أدار عجلة القيالة بصفة مفاجئة ليرجع على عقبيه.
وليطمئن الفتاتين المستغربتين اللتين طالعتاه في تساؤل، قال مفسرا : -
تذكرت أن علي اخذ بعض الحاجيات لصديقي الذي سألتقيه هذا المساء...
لم تزد كلماته ندى إلا شكا بشأن هشواره المسائي.
لكن عقله كان هشغولا بما فيه الكفاية هذه المرة حتى ينتبه إلى شحوب لونها وتغير ملامحها.
كان عليه ان يأخذ أمانة إلى بعض الإخوة المعسكرين في الجنوب, فكر في أنه من الأفضل أن يضعها في صندوق السيارة من الآن، حتى لا يتأخر فيما بعد.
فالمسافة من المزرعة ستكون أقل، ولن يضطر إلى العودة ادراجه إلى المدينة.
لن يكون هناك أي خطر على الفتاتين، فالطريق إلى المزرعة آمنة.
إضافة إلى انهما تجهلان طبيعة الحاجيات التي قال إنها تخص صديقا له، وطالما حافظ هو على هدوئه وتركيزه ، فلن يشك أحد في شيء.
يمكنه أن يتوقف بعض الوقت في المزرعة حتى لا يثير مخاوف والديه، ثم يعتذر ليغيب لساعتين فقط قبل موعد العشاء
اطمأن إلى خطته البسيطة ومضى إلى التنفيذ.
بعد عدة من الدورات في أزقة الحي الشعبي الملتوية، أوقف أحمد السيارة في شارع جانبي، شبه مقفر.
التفت إلى الوراء قبل أن يغادر مقعده وهو يقول مطمئنا
سأعد خلال دقائق قليلة...
نزل من السيارة في خفة، وابتعد مسرعا.
وخلافا لما توقعته مرافقتاه، لم يتوجه احمد إلى أحد بيوت الشارع.
بل توجه في خطوات واسعة إلى المنعطف القريب حيث اختفى.
لم تعلق إحداهما بكلمة.
انشغلت سماح بتقليب محتويات أكياسها، كأنها تعيد حساباتها وتطمئن إلى ميزانيتها.
أما ندى، فقد سرحت نظراتها في اتجاه الشارع الذي غاب عبره احمد، كانت نفسها تحدثها بأن امرا غير عادي يحدث حولها.
ربما كان أمرا غريبا بالنسبة إليها. لكنه قد يكون جزءا من الحياة الخفية التي يعيشها احمد في صيدا وتجهل هي كل شيء عنها.
كانت عشر دقائق قد انقضت، حين أخذت سماح تتأفف قائلة:
ألم يكن بإمكانه أن يقترب بالسيارة اكثر؟، لماذا تركنا ننتظر هنا كل هذا الوقت؟
انقبض صدر ندى مع ملاحظة سماح العفوية.
بالفعل، احمد تعمد ان يقف على بعد عدة شوارع من المكان الذي يقصده. كأنه يخفي أمرا ما عنهما...
او ربما من باب الحرص والحذر.
كان صبرها قد بدأ ينفد، حين ظهر أحمد من نفس الشارع الذي غاب فيه منذ قليل.
سرى في نفسها بعض الارتياح، وهي تراه يعود سليما معافى، لكن نظراتها ما لبثت أن تعلقت بالحقيبة الرياضية العريضة التي كان يحملها.
عاينتها بنظرات متفحصة، محاولة اختراق القماش الخشن الذي صنعت منه والاطلاع على ما في داخلها.
تابعت أحمد وهو يفتح صندوق السيارة ويلقي بها داخله، كمن يتخلص من حِمْلٍ ثقيل.
وفي نفس اللحظة التي رن فيها صوت قطع معدنية احتكت ببعضها داخل الحقيبة، رن ناقوبس الخطر في رأسها، لم يعد هناك شك!
بدا على أحمد الارتباك، وهو يتخذ مقعده أمام عجلة القيادة.
عاجلته سماح في غضب، في حين كان يعدل وضعية المرأة العاكسة، ويلقي نظرة على المقاعد الخلفية:
أين كنت كل هذا الوقت؟، لماذا لم تتركنا نتجول في السوق على الأقل؟، لم يهتم لاحتجاجها، بل قال في لهجة خالية من التعبير وهو يدير المحرك:
كفى تذمرا يا سماح,، ها نحن سننطلق,.
تواصل الصمت لدقائق طويلة بعد أن دخلت السيارة الطريق السريعة.
كان كل من الركاب الثلاثة قد غرق في أفكاره الخاصة بعيدا عن صاحبيه.
ألقت سماح رأسها إلى الخلف وأغمضت عينيها في تعب.
تفكر في حفل الخطبة العائلي الذي سيقام الأسبوع المقبل.
تفكر في ارتباطها بأيهم والمستقبل الذي ينتظرها معه.
في رأسها احلام كثيرة، لا تدري إن كانت ستملك المتسع من الوقت لتحقيقها كلها, يا رب... متى ينتهي هذا الاحتلال الذي يخطف الأرواح كل يوم! ترى المغامرة؛ أمامها.
لا تهابها. فقد كانت تتمناها منذ البداية.، لكنها تطمع ايضا في حياة مستقرة، مثل كل الزوجات.
ترجو التوفيق بين أحلامها جميعا... ولا تعلم ما تخفيه لها الأقدار من مفاجأت.
تريد طفلين، بنتا وولدا...، ويا حبذا لو كانا توأما، حتى تختصر التعب مرة واحدة، ستسمي الفتاة ريما!
حانت منها التفاته عابرة إلى ندى الجالسة حذوها...
هذا إن لم تسبقها هي باختيار الاسم، تعلم كم كانت ندى متعلقة بريما، رحمها الله...
سرحت ندى عبر زجاج النافذة، ترقب المناظر الطبيعية التي تحف الطريق من الجانبين في سهوم, لم تكن تميز الشيء الكثير، لانشغال ذهنها بالتفكير.
لكن مشاهد التلال التي كستها الخضرة وزينت بشتى الألوان الساحرة، كانت تشد انتباهها بين الحين والآخر وتخرجها من تأملاتها.
كانت المزرعة على بعد ساعة تقريبا من المدينة، لكنها أحست بأن الطريق طالت اكثر من العادة، مع الصمت الثقيل الذي خيم على ثلاثتهم.
تمنت أن تخترق تفكير أحمد، وتنفذ إلى دخائل نفسه.
ليتها تفهم كيف يفكر ذلك الرجل... وفيما يفكر.
هل تحوز هي على نصيب من اهتمامه... أم أن الهوة بينهما قد اتسعت إلى درجة لا ينفع معها
وصلت به الحال أن يكون معها وينشغل عنها تماما، فكيف الحال حين تغيب عن عينيه؟، هل ينساها بالكلية؟،
احست بألم في صدرها مع هذا الخاطر البغيض.
تململت في جلستها ، وحولت عينيها إلى سماح المستلقية إلى جانبهان، تحاول أن تطرد ضيقها وتنسى مخاوفها.
لكنها ألفتها قد غفت وغلبها النعاس.
ابتسمت وهي ترنو إلى ملامحها المسترخية في حنو.
لكنها ما لبثت أن انتبهت إلى الفرصة التي أتيحت لها لتحادث أحمد.
اعتدلت في جلستها وأطرقت مفكرة فيما ستقوله. وكأن أحمد انتبه إلى أفكارها ، فقد استدار للحظة ليلقى نظرة على مرافقتيه الصامتتين.
ثم قال مبتسما :
يبدو أن سماح تعبت من الرحلة!
همست بصوت شبه مسموع وقد باغتتها مبادرته:
نعم...
استمر الصمت بينهما لثوان، قبل أن تستجمع ندى شجاعتها وتخاطبه متسائلة: -
هل سنصل قريبا...
لكنها بترت عبارتها حين داس أحمد على الفرامل بقوة ليخفف من سرعة السيارة بشكل ملحوظ.
تشبثت بظهر المقعد الأمامي لتحافظ على توازنها وهتفت في فزع:
-ما ذا هناك؟
قبل أن يأتيها رد، لمحت على بعد مأتي متر عددا من الجنود يحملون اسلحة خفيفة.
بسرعة، ميزت بزاتهم العسكرية الغريبة. وكان من الواضح أن احمد قد انتبه إلى الأمر نفسه.
إنها فرقة إسرائيلية!
كانت السيارة تسير ببطء متقدمة في اتجاه الجنود الذين وقفوا في عرض الطريق يسدون المسار.
لم يكن هناك عدد كبير من السيارات تمر من تلك المنطقة الزراعية، وبدا انهم في حاجة إلى عربة تقلهم إلى مكان ما .
او ربما اشتهوا مجرد الاستيلاء على ما فيها والتنكيل بركابها لغرض المتعة لا أكثر!
تذكرت بسرعة الحقيبة التي تستقر في صندوق السيارة.
سيكونون في ورطة حقيقية إن تفطنوا إليها، أحست بتوتر أحمد الذي تحجرت يداه على عجلة القيادة، وعقله يعمل بسرعة بحثا عن المخرج.
سيصلنى لا محالة إلى موقف الجنود، وسيكون عليهم تحمل صفاقتهم الدنيئة.
لم يعد بإمكانه التراجع.
اما سماح التي أخرجتها صرخة ندى من احلامها، فقد كانت تتطلع حولها في عدم استيعاب.
فجأة، هتفت ندى في حزم:
سماح، انخفضي، احمد، أوقف السيارة
انصاع احمد لطلبها دون تفكير. توقف ولم يعد يفصله سوى عشرون مترا عن الحاجز البشري، ثم التفت إلى ندى متسائلا:
-فيم تفكرين؟
سترى...
وقبل أن يتمكن من الاعتراض، كانت ندى قد ابتعدت عن السيارة في اتجاه قائد المجموعة، الذي تقدم بدوره حين رأى السيارة تتوقف.
على بعد عشرة امتار تقريبا، وقفت ندى تتحدث إلى الجندي ضخم الجثة.
كانت تتكلم وتشير بيدها إلى التلال البعيدة، في حين راحت نظرات الرجل تتردد بينها وبين السيارة في تفحص.
تسارعت دقات قلب أحمد، وانحبست أنفاسه.
ما الذي تفعله هذه المتهورة؟ هل ستتمكن من إقناعهم بتركهم يمرون؟
تذكر حقيبة الأسلحة والذخيرة التي ينقلها إلى رفاقه المعسكرين في الجنوب...
سيكون في ورطة حقيقية إن قاموا بتفتيش السيارة!
لم يستطع الن يرفع كفه ليمسح حبات العرق التي تلألأت على جبينه وانحدرت على جانبي وجهه.
تسمرت عيناه على ندى اللتي طال حديثها مع الرجل الغريب، دون أن يصله من حديثهما شيء.
يا إلهي.,, هل سيمر اليوم على خير؟، كان مخطئا حين فكر في اخذ الفتاتين والحقيبة في وقت واحد!
لا يهم إن تعرضوأ إليه وهو بمفرده، لكن كيف يخاطر بحياة شقيقته وخطيبته؟، لم يفكر مطلقا بأن الإسرائيليين قد يتوغلون خارج حدود المناطق المحتلة، فقد كان أسلوبهم يتسم بالجبن والحذر...
لكن المعطيات تغيرت في الفترة الأخيرة، إثر الغارة الجوية.
أصبحوا أكثر جراءة ووقاحة.
شحن على قبضته بقوة.
لن يستمر ذلك طويلا...
حتما ستوقفهم المقاومة عن قريب-
لا يمكنهم التطاول وترويع المواطنين هكذا!
رأى الرجل يبتعد عم، ويلقي بكلمات غير مفهومة على رفاقه، فسرت عدوى الضحك إليهم.
كاد الدم يتجمد في عروقه وهو يتخيل الاسوأ، في حين لم تفتر شفتا سماح المنبطحة في الخلف عن ترديد الأدعية المأثورة.
لكنه ما لبث الن رأى ندى تعود إلى السيارة ملوحة للجنود، وعلى شفتيها ابتسامة، اتخذت مجلسها على المقعد الأمامي هذه المرة وهمست لأحمد الذي لم يستوعب ما يحصل حوله:
انطلق!
ضغط على دواسة البنزين بصفة ألية، وانطلق مبتعدا، بعد الن انزاح الجدار البشري على جانب الطريق، ترافقه الكفوف الإسرائيلية الملوحة!
ساد الصمت لبضع دقائق على السيارة، قبل أن تهمس سماح في قلق:
هل يمكنني الخروج؟
ضحكت ندى وقد راح عنها التوتر وقالت:
طبعا يا عزيزتي... ذهب الخطر!
ابتسم احمد بدوره، وهوا لكاد يصدق ما حصل أمامه للتو، والتفت إلى ندى متسائلا:
ماذا قلتي لهم، وكيف اقنعتهم؟، اتسعت ابتسامتها، وهي تقول في مرح:
هل نسيت أنني اتكلم لغتهم كما اتكلم لغتكم؟
ثم اضافت وهي تلمح علامات الدهشة على وجه أحمد الذي لم تخطر الفكرة بباله:
أقنعتهم بأننا زوجان يهوديان، يسافران لقضاء نهاية الأسبوع في الريف.
وأن سيارتنا معطلة والبنزين يكاد ينفد منا، ولم انس أن أعبر عن سعادتي بلقاء أبناء ديانتي الذين أرجو أن يرشدوني إلى اقرب محطة وقود، هذا كل ما في الأمر!
سرى جو من الارتياح من جديد بين ركاب السيارة، واستمرت التعليقات المرحة حول المغامرة القصيرة بين الفتاتين طوال الطريق المتبقية.
أما أحمد، فقد استغرقه التفكير مجددا وعلى شفتيه إبتسامة رضى، ربما عليه أن يعيد النظر في الخطاب الذي أعده من أجل ندى.
أو ربما كان عليه ان يلغيه تماما، وينظر إلى الأمور من زاوية اخرى.