قوانين المُنْتَدَيات.

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الثائر الأحمر الحلقة 3

  1. #1
    الاعضاء
    تاريخ التسجيل
    01-21-16
    المشاركات
    581
    معدل تقييم المستوى
    82

    الثائر الأحمر الحلقة 3

    وطال انتظار حمدان على أمه وزوجه وافتقدتا حس عبدان فاستوحشتا وقلقتا. فقامت أم الغيث لتفتقده وتدعوه ليؤنسها في الكوخ. ففتحت الباب وطفقت تجيل بصرها في أرجاء المزرعة فلم تر له أثراً. فجعلت تناديه يا عبدان.. يا عبدان فلا يجيبها إلا صدى صوتها. فشعرت بخوف شديد جعلها توصد الباب مسرعة وتغلقه بالمزلاج وعادت إلى مجلسها مع أم حمدان حيث باتتا ساهرتين في قلق وخوف.


    4


    كانت هذه الأفكار تهدر في رأس عبدان وهو يجوس خلال المزرعة حيثما تنقله قدماه دون قصد معلوم، وقد تصطدم رجله بجذع نخلة منقعرة، أو يضرب في وجهه غصن شجرة أو تغوص قدمه في تربة موحلة، فلا يصده شيء من ذلك عن المضي في جولاته لأنه لا يدري ماذا يأتي وماذا يدع.
    وكان النسيم عليلاً يوسوس بين الغصون كما كان عند ما خرج من قريته على بغلته ولكنه يحس له الآن قشعريرة تسري في ظهره، وكأن حفيفه أنين خفي ما زالت تردده الثواكل حتى بحت به حناجرها. وهذا القمر ما زال مشرقاً في سمائه يرسل خيوطه الفضية على ما حوله من فضاء وشجر. ولكن عبدان لا يرتاح لنوره الساطع فيلوذ منه بأكناف الشجر وظلال الأيك؟ ودار في جولاته حتى اقترب من المربد فرأى بغلته حيث ربطها هناك لم تتحلحل من مكانها. وتأمل وجهها في ضوء القمر فلم يتغير من ملامحه شيء. وكل ما يشغلها ذباب أو قراد يقع على عنقها أو في مراق بطنها أو على كفلها فتهتز رأسها أو تنفض عرقها أو تضرب بإحدى قوائمها أو تخبط بذنبها لتذبه عنها، فلو تخلصت من أذاه لما همها بعد ذلك شيء.
    وانتقل طرفه إلى باب الكوخ فتصور –وملء فؤاده الحسرة- كيف خرجت عالية منه عصر اليوم ثم لم تعد. والله يعلم وحده هل تعود ومتى تعود؟ وتذكر كيف فتحت له راجية آنفاً فوقفت له على هذه العتبة والدمع على خديها يسيل. كانت وقفتها تلك نذير سوء. فأشاح بوجهه عن الباب، إذ خيل إليه أن راجية ما برحت واقفة هناك لتكون أول من يبشره بالمصاب الأليم.


    وطفق يستعيد الحوار الذي دار بينه وبينها الليلة فإذا هم ثقيل يهبط كالصخرة على صدره حتى يكاد يسد مخرج أنفاسه، وتمثل في ضميره ثمامة حينئذ وهو يحمل عالية بين ذراعية فيثب بها على ظهر جواده فينطلق بها بين فرسانه الملثمين، وهي لا تصيح ولا تستغيث. لعل المباغتة أعجلتها عن الاستغاثة، أو لعل الدهشة عقلت لسانها. أو لعلها.. ألم تقل راجية إن ثمامة يعرفها ويطري جمالها؟ فماذا يمنعها أن تعجب به وتميل إليه؟ إنها فيما تقول راجية لكتوم قلما يعرف أحد ما يدور في خلدها. فأي شيء كان يدور في ذاك الخلد؟.
    لطالما رأبه منها ذلك الزهد العجيب فيما يحمله إليها من الهدايا وقلة الاكتراث لما تعلنه لها أختها من التحبب والملاطفة على مرأى منها ومسمع. أفكان ذلك من جراء هذا السر الذي كانت تحمله تلك الكتوم؟ ومن يدري لعل راجية ما بدأت تتحبب إليه على ذلك الوجه السافر إلا حينما ألمت بطرف من سر أختها، فأيقنت أن أختها لن تعترض عليها أو تثور. بل من يدري لعل ثمامة الفاجر ما طلب يد راجية إلا ليجمعه بالتي يهواها وتهواه سبب من الأسباب. أين أنت الآن يا حمدان؟ كأني بك تبحث عن أختك الضائعة في كل مكان. آه لو تعلم لأرحت نفسك من عناء لا غناء فيه. وتركت الضائعة وشأنها. فقد وجدها من هو أولى بها منك ومن هذا الأحمق المأفون الذي يدعونه عبدان؟ كلا لا تتركها تعبث بشرف بيتنا وتدنسه بالعار دون أن تلقى الجزاء الذي تستحقه. أمض يا حمدان في البحث عنها حتى تجدها. إنها عند ثمامة. ويل لها مني.. ويل لثمامة مني.
    وما وصل عبدان إلى هذا الحد حتى خارت قواه وشعر بالأرض من حوله تدور وكان قد بلغ في جولاته إلى حيث تقوم صفوف النخل على غلوة سهم من الكوخ فاعتمد بيديه على جذع نخلة ولبث كذلك هنيهة. ثم تخاذلت ساقاه فأسلمتاه إلى حيث ارتمى متمدداً على الأرض وقد غاب عن وعيه كل شيء.

    وطال انتظار حمدان على أمه وزوجه وافتقدتا حس عبدان فاستوحشتا وقلقتا. فقامت أم الغيث لتفتقده وتدعوه ليؤنسها في الكوخ. ففتحت الباب وطفقت تجيل بصرها في أرجاء المزرعة فلم تر له أثراً. فجعلت تناديه يا عبدان.. يا عبدان فلا يجيبها إلا صدى صوتها. فشعرت بخوف شديد جعلها توصد الباب مسرعة وتغلقه بالمزلاج وعادت إلى مجلسها مع أم حمدان حيث باتتا ساهرتين في قلق وخوف.


    4


    ورجع حمدان عند منتصف الليل وقد نهكه الجهد وأمضه الحزن فنزل عن ظهر حماره عند مدخل المزرعة. وكان قد طاف بجميع الضياع والمزارع المجاورة وسأل أهلها عن أخته فلم يجد عنها من خبر. وسأل الذاهبين والرائحين في تلك الطرق والدروب هل بصروا في طريقهم بفتاة بيضاء تلبس السواد وجعل ينعتها جهده لهم فلم يجد عند أحد منهم جواباً يشفيه.
    وكان في نيته أن يواصل السير والبحث فيما وراء تلك الأمكنة التي وصل إلهيا، أولاً إنه خشي أن يقلق أهله عليه إذ طال بهم انتظاره أو أن يمسهم مكروه في غيبته فآثر أن يعود إليهم ليستأنف بحثه من الغد.
    وإنه ليقود حماره ناحية الكوخ وكلاهما ثقيل الخطو يترنح من الإعياء إذ نظر حمدان إلى حيث تقوم صفوف النخل عن يمينه فبصر بينها بسواد شخص ممدود على الأرض لم يستطع أن يتبينه على البعد أذكر هو أم أنثى فهفا قلبه وذهب به الظن مذاهب شتى ودب فيه النشاط فأرسل لجام حماره وانطلق يعدو حتى دنا من الشخص فراعه أن يجد عبدان مستلقياً على ظهره في تلك البقعة. فجثا عليه ووضع يده على جبهته فوجدها محمومة تندى بالعرق اللزج. فلبث برهة يحركه ويهزه حتى أفاق من غشيته. فأنهضه ومشى يقوده صوب الكوخ.
    وكان في عزم حمدان لكي يدخل على أهله شيئاً من الطمأنينة فيأووا إلى مضاجعهم تلك الليلة أن يزعم لهم أنه اهتدى إلى مقر عالية وأن لا بأس عليها هناك، وأنه لولا خشيته أن يقلقوا لتأخره بالليل لركب إليها فعاد بها معه، ولكنه لما حدثه عبدان عما سمع من راجية من احتمال أن يكون ثمامة بين أولئك الفرسان الملثمين الذين مروا بها في المحتطب، فاختفت عالية على أثر مرورهم، لم يستطع أن يصبر على استنطاق أخته الصغرى إلى الغد، وكانت راجية قد هبت من فراشها عند قدوم حمدان لتشوقها إلى سماع ما أسفر عنه بحثه، فجلس الجميع يستمعون إلى حمدان وهو يقص عليهم بعض ما كان منه، ثم طفق يسأل راجية أسئلة مختلفة عن الفرسان الملثمين وهيئتهم وكيف عرفت ثمامة بينهم وعاتبها على أن لم تذكر له ثمامة من قبل، فاعتذرت إليه بأنها ما عنَّ لها هذا الخاطر وتوضح لها إلا بعد لأيٍ، حينما حضر عبدان وأخذ يستعلمها عن الحادث.
    وتشقق الحديث وتجاذبوا أطرافه بين إعادة لقص ما حدث وتوقع لما يحدث واقتراح لما ينبغي أن يعمل، تتخلل ذلك كله ذكريات مؤثرة، يتبادلون حديثها عن عالية، فتفيض عيونهم بالدمع، ما خلا عيني حمدان الحمراوين، فليس للبكاء إليهما من سبيل.
    وهكذا قضى أهل الكوخ ليلة نابغية لم يغمض لهم فيها جفن.

    5





    مضى أسبوع منذ اختفت عالية لم يهدأ لحمدان جنب ولم يقر له قرار. وقد شغله هذا الخطب عن كل شيء، فترك عمله في المزرعة لاثنين من الأجراء يتناوبان القيام به. ولم يدع سبيلاً من سبل البحث عن أخته الضائعة إلا سلكه، فقد اتصل بعامل قرية الدور فأعلنه بالحادث ليوعز إلى الشرطة بالبحث عنها وأعطاه كل ما عنده من بيان وتفصيل.
    وبدا له أن يزور سيده ابن الحطيم ليشكو له ذات أمره ويستعين بجاهه ونفوذه ليحث عامل القرية رئيس شرطتها على الاهتمام بالحادث. ولم يسبق لحمدان أن زار قصر ابن الحطيم أو رأى له وجهاً، إذ كان يزهد في ذلك ويعد السعي إليه ضرباً من ضروب التزلف يربأ بنفسه عنه، حتى إنه كان يتخلف عن الولائم العامة التي يقيمها المالك الكبير في مواسم خاصة يدعو إليها الجمع الغفير من الفلاحين الذين يعملون في أراضيه الواسعة.
    واستأذن عليه في القصر الكبير الواقع في الطرف الشمالي من القرية، فقابله قيم القصر وأخبره أن سيده في قصره بالكوفة منذ أسبوع، ولا يدري أحد متى يعود، ثم سأله ماذا يريد منه، فحكى له حدان قصة أخته، وما يلتمس من العون عند سيده، فتلطف معه القيم في الحديث وأخذ يواسيه ووعده بأنه سيبلغ رسالته إلى سيده حين يقدم من المدينة، ولكن حمدان قال له إن الخطب لا يحتمل التأجيل، وإنه عازم على السفر إلى الكوفة ليقابل ابن الحطيم هناك. فجعل القيم يثبطه عن عزمه ويقول إنه لا حاجة به إلى تجشم عناء السفر ففي استطاعته هو أن يقوم مقام سيده في هذا السبيل فرضي حمدان منه ذلك وشكره وانصرف.
    ولم يتكل حمدان على هذا المسعى الذي قام به عند عامل القرية أو عند ابن الحطيم لعلمه أن ذلك قليل الغناء.
    إن عليه ألا يعتمد في البحث عن أخته الضائعة إلا على نفسه وأن سبيل الاهتداء إلهيا لصعب في هذا الظلام الدامس الذي يحيط بمعالم القضية. بيد أنه لا يعدم بصيصاً من النور يشع في جوانبه فيكشف له عن سواد ثمامة يظهر له ويختفي من بعيد فليقتف أثر ثمامة، فإنه متى اهتدى إليه فقد وجد السبيل إلى اتصاله.
    وكان عبدان حرياً أن يكون عونا له في هذا الوجه. ولكن عبدان ما زال عليلاً منذ تلك الليلة تنتابه الحمى وتعروه البرداء وكان حزنه الممض لفقده عالية عوناً للعلة عليه يزيد في شدتها ويطيل من أمدها. وقد أراد أن ينتقل إلى داره بالقرية ولكن حمدان أبى عليه ذلك. وألزمه أن يبقى في كوخه ليعنى به أهله حتى يبرأ من علته.
    وكان حمدان قد تحرى قليلاً عن ثمامة فيما مضى حينما تقدم ثمامة يخطب أخته راجية فعرف عن سيرته ما دفعه إلى رفض خطبته، فكان يسيراً عليه الآن أن يستأنف التحري عنه بالرجوع إلى أولئك الأشخاص الذين سألهم عنه من قبل وأشخاص آخرين من أهل القرية التي نشأ فيها ثمامة. واستطاع بعد لأي أن يعرف عصابة العيارين التي انضم إليها ثمامة ويعرف اسم رئيسها الشيخ سلام الشواف. وكان قد سمع من قبل بهذا الرجل الذي طالما ألقى الرعب في قلوب الناس بجرأته وشدة بأسه وكثرة مغامراته في السطو على الأموال ونهب القوافل وتسور القصور العالية ونقب حوانيت التجار. كانت له في ذلك تدابير محكمة وخطط عجيبة أعيى أمرها رجال الشرطة والعسس، حتى ذهب كثير منهم صرعى بطشه وحيلته. فكانوا يتقون جانبه ويتفادون من لقائه.
    وكان على ذيوع صيته قلما رآه أحد رأي العين أو عرف له مقراً ثابتاً، وإن كان الناس يتحدثون عنه أنه يغشى الأسواق ويحضر الصلوات في المساجد ويشهد المواكب في أزياء مختلفة وهيئات شتى، حتى قيل إنه قد يندس في مجامع الناس متخذاً زيَّ امرأة.
    أغتم حمدان لما علم أن ثمامة من عصابة هذا الشيخ وتضاءل أمله في سهولة الاهتداء إليه بله استرداد أخته منه، فرجع إلى كوخه كسيراً حسيراً يكاد ينفض يده من الوصول إلى مطلبه من هذا السبيل. وتعلق أمله بعامل القرية ورئيس الشرطة من جديد عسى أن يأتيه الفرج من قبلهما، فجعل يتردد عليما مرة بعد مرة فيخبرانه بأن الشرطة مجتهدون في البحث عن ضالته وأن عليه الصبر حتى يهتدوا إليها.
    وبلغه ذات يوم أن ابن الحطيم في القرية فخف إليها وانطلق إلى قصره الكبير ليقابله، فلما استأذن عليه برز له قيم القصر وقال له إن سيده متعب لا يريد أن يقابل أحداً، فلما ألح عليه في طلب مقابلته نهره القيم وتأفف منه وقال له إنه قد أوصى العامل بالاهتمام بأمر أخته الضائعة قائماً في ذلك مقام سيده ولا يستطيع أن يصنع بعد هذا شيئاً.
    فكظم حمدان غيظه وقال له: (لعل سيدي ابن الحطيم إذا سمع بقصتي يستطيع بجاهه أن يصنع لنا شيئاً، وإن لنا لحقاً عليه فنحن من خدام أرضه). فضحك القيم ساخراً ثم قال: (إن لكم حقاً أن لا يطردكم من أرضه ما قمتم بإصلاحها واستثمارها وتأدية حقه فيها إليه وحسبكم ذلك الفضل منه. وليس عليه أن يحرس لكم أخواتكم وأمهاتكم أن يختطفهن اللصوص، ولا يستنقذهن لكم من أيديهم).
    فقال حمدان محتداً: (لا حق لك أن تسخر بي في قصر سيدي. إني ما أطلب منه إلا أن يوصي العامل بالاهتمام بقضيتي وخلاه ذم).
    فقال القيم: (هو اليوم متعب لا يقابل أحداً).
    - فسأجيء له غداً
    - غداً سيعود إلى الكوفة.
    - فاليوم إذن.
    فقال القيم: (ما أبلد الفلاحين! أما تستطيع ويلك أن تفهم ما أقول؟).
    فنفد صبر حمدان ونظر إليه بعينيه الحمراوين وقد زاد احمرارهما فكأنهما جمرتان تتلظيان. ثم قال له بصوت أجش لا أثر للضعف والاستكانة فيه: (لولا بلادة هؤلاء الفلاحين لما استطاع مثلك أن يستمتع دونهم بثمرات كدهم فيقيم في مثل هذا القصر متقلباً في أعطاف النعيم، وهم يكدحون طوال نهارهم في الشمس ويبيتون في الأكواخ من جوع يتضورون).
    - هذا ما يقوله صاحب الزنج لأصحابه العبيد
    - إن يكن هذا ما يقوله ذلك الرجل فلم يقل إلا صواباً.
    - حذار أن يعرف عنك التشيع لمذهبه فيمسك الأذى من السلطان.
    - مالي ولصاحب الزنج؟ لا أعرفه ولا أعرف مذهبه. ولكني أقول الحق ولا أخشى في الحق أحداً.
    - خير لك أن تنصرف الآن بعافيتك وتدع الخوض فيما لا يعنيك.
    فانتفض حمدان غضباً وصاح قائلاً: (ولكن هذا يعنيني؟).
    - هل أردت أن تقابل السيد لتقول له مثل هذا ويحك؟
    - إنني أعرف ما ينبغي أن أقول له وليس من حقك وأنت خادم مثلي أن تمنعني من مقابلته.
    وخشي القيم من بوادر هذا الأكار الذي تقدح عيناه شرراً، فقال له بلهجة لينة:
    - صدقت ليس ذلك من حقي وإني ما منعتك مما تريد وإنما أطيع أمر السيد.
    - إنك لم تعلمه بمجيئي.
    - لأني أعرف أنه متعب.
    - عجباً هل جئت لأكلفه أن يحرث الأرض مكاني؟ أما يقدر أن يراني بعينيه؟
    - سأبلغه اليوم حاجتك فيحقق ما تريد.
    - فبلغه الآن رغبتي في مقابلته. قل له إني هنا ولا أريم مكاني حتى أراه.
    ولم يسع القيم حين رأى من تصميم حمدان ما راعه إلا أن يتوجه إلى داخل القصر وهو يقول: (انتظر قليلاً، سأفعل ما تحب).
    وانتظر حمدان في حجرة الاستئذان الخارجية وهو يرى سور القصر وسدته الحديد عن يمينه والباب المؤدي إلى داخل القصر عن يساره فوقف يتأمل النقوش البديعة على جدران الحجرة محلاة بماء الذهب والزخارف الدقيقة على الباب المنجور من الأبنوس الفاخر المطعم بالعاج الثمين. ترى كم بدرة من الذهب أنفق على هذه التصاوير والتخاطيط التي لا تكسو من عري ولا تشبع من جوع.
    وهذه البسط الثمينة التي تطؤها نعلاه التربتان ما أحوجه وأحوج أمثاله إلى قطعة منها ليفرشها لضيوفه في الولائم والأعياد فإن كان هذا كله في حجرة الاستئذان الخارجية فكيف يكون داخل القصر وكيف تكون غرفه العليا وماذا يوجد فهيا من زينة ومتاع؟
    هذا كله لابن الحطيم الذي ما حمل قط في حياته فأساً ولا وقف بقدمه على سنة محراث ولا يعرف كيف يؤبر النخل أو يبذر الحب أو يسقي الزرع ثم يقال إنه متعب لا يقدر أن يقابل أحداً.
    وهنا اختلجت بسمة دانية حول شفتيه الغليظتين سرعان ما وأدها بينهما إذ ذكر أن ابن الحطيم قد يقبل في تلك اللحظة فيراها ويرى من ورائها ما يجول في صدره. ثم عاد فشك هل يخرج له ابن الحطيم إلى حيث هو أم يأمر فيدخلونه إليه. ثم تذكر أنه ما رأى ابن الحطيم من قبل قط فهو لا يعرفه إذا رآه وإنه ليخشى حين يدخل عليه أن يكون معه بعض رجال حاشيته فلا يميزه من بينهم.
    وسمع خفق النعال من الداخل فأصلح من هيئته وتوقع أن يظهر له ابن الحطيم أو قيم القصر ليوصله إليه. فما راعه إلا أن برز له رجل ما رأى في حياته مثله ضخامة وطولاً حتى ليكاد الباب الكبير يضيق دون ولوجه. وكان أسود اللون كريه المنظر، له عينان صغيرتان يؤودهما جفنان ثقيلان، كأنه نعسان يريد أن ينام. واضطرب حمدان قليلاً لرؤيته ولعبت بباله خواطر شتى. ولكنه تماسك وتجلد ليرى ما يكون من أمر هذا الهولة وقد أدرك من هيئته وملابسه أنه أحد خدام القصر. ولعله الحاجب الخاص لابن الحطيم وقد جاء ليأذن له في الدخول عليه.
    وقف الرجل هنيهة يرنو إليه بعينيه الصغيرتين وهو يحرك مشفريه الغليظين كالذي يتلمظ لرؤية الطعام الشهي. وانتظر حمدان أن يبدأه بالتحية أو بالقول، ولكنه بقي صامتاً ثم مشى متثاقلاً نحو حمدان حتى دنا منه – وحمدان لا يدري ما يصنع- فقبض بيديه الضخمتين على معصمي حمدان فكأنما طوقهما بقيد غليظ.
    فصاح حمدان قائلاً: (ماذا تريد أن تصنع بي يا هذا؟).
    فلم يقل له الرجل شيئاً وإنما جره نحو سدة السور فأدرك حمدان أن ابن الحطيم أو قيم القصر قد بعث هذا المارد ليطرده من القصر. فثار به الغيظ فدفع بإحدى رجليه في فخذ المارد فظهر الغضب في وجهه وشدد قبضته حتى أحس حمدان أن عظام معصميه قد رضت. ورأى أن المقاومة لا تغني، فأسلس له القياد ومشى معه في ممر الحديقة التي تفصل بين السور والقصر فرأى الورود والرياحين متفتحة في ضوء الشمس وكأنها تبتسم شماتة به، والتفت خلفه –وهو يسير أمامه في قيادة المارد- فلمح بعض النقوش والتصاوير التي كان يتأملها في حجرة الاستئذان منذ قريب باقية كما هي. ورفع بصره صوب الطبقة العليا من القصر فبصر في إحدى شرفاتها بوجه قيم القصر، وإلى جانبه شاب أبيض الوجه حالك سواد الشعر مرجله، كأنه من وبيصه يقطر دهناً ينظران إليه ويتضاحكان. حتى إذا انتهى به المارد إلى السدة أرسل معصميه وأومأ له أن ينصرف لسبيله دون أن يقول له شيئاً، فخطا حمدان عتبة السدة ثم استدار خلفه ليرى وجه ذلك الشاب المطل من الشرفة كرة أخرى فوجد العملاق قائماً دن السدة قد حجبه عن كل شيء داخلها، فاتخذ سبيله أمما في الطريق وهو يشعر بالخزي وخيبة الأمل، ويلعن ابن الحطيم في سره، ورأى ظل السور ممدوداً، فما مشى فيه إلا قليلاً حتى ازور عنه إلى الشمس مؤثراً حرها على برده. كيلا يكون لهذا الغني اللئيم من فضل عليه.

    6

    وسار حمدان في طريقه غضبان أسفاً حتى بلغ سوق القرية دون قصد منه، فتذكر أنه يريد شراء بعض الحوائج لأهله قبل أن يعود إلى المزرعة، فأخذ يمشي في أزقته الضيقة بين الحوانيت الصغيرة، وقد بدأت حركة الناس تخف في السوق من أجل الحر، وطفق الباعة يرتبون بضائعهم أو يرشون الماء أمام حوانيتهم ليخففوا وقدة الشمس، وجلس بعضهم قدامها يتحدثون.
    ثم وقف أمام حانوت صغير مغلق هو حانوت ابن عمه. فجاش صدره بالشجون ومر في خياله عبدان وعالية وثمامة وابن الحطيم وعامل القرية متتابعين في صف واحد، فإذا شخص يناديه باسمه. فالتفت إليه فوجده صديقاً لعبدان تاجراً يواجه حانوته حانوت عبدان، فحياه الرجل ودعاه ليستريح قليلاً عنده، فلما جلسا في الحانوت سأله صاحبه عن عبدان فأخبره بأنه يتماثل من علته وسيفتح حانوته وشيكاً، وما مضيا في الحديث إلا قليلاً حتى أدرك حمدان من لحن قول جليسه أنه قد ألم بطرف مما حدث لعالية، وإنما يمنعه الإشفاق عليه أو الحياء منه أن يبدأه بحديثها، فلم ير حمدان بأساً أن يقص عليه قصتها لعله يجد رأياً ينفعه، وعجب حمدان لما رأى الرجل يصغي إلى قصته وهو يتوجع توجعاً شديداً، ويصعد الزفرة تلو الزفرة، فحسب في أول الأمر أنه يتصنع ذلك مجاملة له وتطييباً لخاطره ولكن الرجل ما لبث أن اغرورقت عيناه بالدمع ثم جعل يبكي بكاء حاراً وينتحب انتحاباً حتى أشفق حمدان عليه، وعجب من نفسه كيف لا يجد الدمع سبيلاً إلى مآقيه حتى إنه لم يذرف دمعة واحدة على أخته الضائعة، وإن حديث مصابها ليبكي الأباعد عنها إذا سمعوه.
    وأحس الرجل بما دار بخلد حمدان فكفكف دموعه وقال له بصوت متهدج:
    (لا تعجب يا حمدان لما ترى مني فإني مصاب مثلك)، وحار حمدان كيف يجيب الرجل لأنه لما يفهم قصده من هذه الجملة المبهمة، وعاد الرجل ليوضح حديثه فقال: (إن ما وقع لأختك قد وقع لابنتي من قبلها).
    ومضى الرجل يحدث حمدان كيف اختطفت ابنته منذ ثلاثة أعوام وكيف أنه لم ير وجهها منذ ذلك اليوم أهي الآن في الأحياء أم في الأموات.
    - أما بلغت أمرها إلى الشرطة؟
    - بلى ولكنهم ما أغنوا عني شيئاً.
    - ويلهم.. أما استطاعوا في هذه المدة الطويلة أن يعثروا على المجرم.
    - ما أشك أنهم عرفوه فستروا عليه وأعرضوا عنه.
    - أواه.. أوقد أصبح السلطان عاجزاً لا يقدر على شراذم العيارين والشطار؟ إنها والله لبلية كبيرة.
    - لكن هؤلاء لا يخطفون بنات الناس ولا يسطون إلا على أموال الأغنياء.
    - تلك كانت سنتهم فيما مضى وقد كنت مثلك حسن الرأي فيهم، فلقد تغيروا اليوم فما يفرقون بين غني وفقير ولا يتذممون من هتك الحرم.
    وحكى له حمدان ما كان من ثمامة وانتمائه إلى عصابة الشيخ سلام الشواف وأنه لا يشك أن ثمامة هو الذي خطفها انتقاماً منه لرفض خطيبته لأخته الثانية، فقال له عبد الرؤوف: (إنني أعرف العيارين وخالطت كثيراً منهم حين كنت أبحث عن ريا ابنتي. فأيقنت أنهم لا يمكن أن يأتوا مثل هذه الأعمال الدنيئة. فإن صح أن ثمامة فعلها فبدون علم من جماعته ولا رضاهم).
    - ولكنهم ركبوا معه وعاونوه على ارتكاب الجرم.
    - فلا بد أنه كذبهم ولم ينبئهم بحقيقة الأمر.
    ودهش حمدان لما استطرد عبد الرؤوف فحدثه بأنه ما كشف له عن الذي اختطف ابنته إلا العيارون.
    - أو تعلم الذي اختطف ابنتك؟
    - نعم.
    - من؟
    - أحد أغنياء القرية.
    - أيهم؟
    - أتحلف لي أنك لا تقول هذا لأحد؟
    - نعم أحلف لك.
    - مالك الأرض التي تعمل فيها يا حمدان؟
    - أتعني..؟
    - نعم أعني ابن الحطيم!
    فذهل حمدان وشعر برجفة خدرت لها أوصاله. وظل برهة وهو لا يسمع إلا هذا الاسم يطن في أذنية، وكأن أرجاء الأرض وأجواز السماء تدوي به وتردد صداه: ابن الحطيم.. ابن الحطيم.. ابن الحطيم..! وتمثل لعينيه وجه ذاك الشاب المطل من الشرفة بشعره المرجل اللامع، في وضمات خاطفة متقطعة تواكب ما يطن بأذنيه!
    وما أخرجه من ذهوله إلا صوت جليسه يقول له وهو يضر بيده على كتفه: (لا تعجب يا حمدان فما هذا بأول جرم ارتكبه هذا الغني الفاسق. وله وللهيصم جرائر كثيرة من هذا القبيل).
    فسأله حمدان وهو يبل بريقه ما شعر به جفاف شفتيه: (هل تحققت أن ابن الحطيم هو الذي..؟).
    - نعم لقد سمعت ذلك من بعض خدم قصره بالكوفة وسماها لي ونعتها فلم يبق عندي شك أنها ابنتي ريا.
    - هلا شكوته إلى السلطان؟
    - ما أغنى عني ذلك شيئاً. فما كانت لي بينة عليه، ولا كان في وسعي أن أحمل الوالي أو رئيس الشرطة على تفتيش قصره وهما من ندمائه وله عليهما أياد وأفاضل.
    فسكت حمدان قليلاً كأنه يوازن بين ما كان من أمر هذا التاجر المنكوب وأمره هو ثم قال له: (لماذا لم تشهر به وتفضح أمره في الناس؟ وعلام استحلفتني ألا أقول هذا لأحد؟).
    - (ويحك يا حمدان لقد دأبت زمنا على التشهير به حتى لقيني بعض غلمانه الأشقياء ذات ليلة فتوعدني ليقتلنني قتلة الكلب إذا لم أكف عن التشهير بسيدهم. وبعد فماذا يضيره ذلك أو يجدي؟ لقد رأيت خيراً لي آخر الأمر أن أواري سوأة ابنتي عن عيون الناس. ولأن يقولوا إنها اختطفت وضاعت أهون عندي من أن يقولوا إنها عند ابن الحطيم يمسكها على سفاح) وما أتم التاجر كلمته حتى انفجر باكياً. ولما مسح دمعه نظر إلى حمدان فبصر بدمعتين تترقرقان في عينيه الحمراوين، فقال له مشفقاً مرتاعاً: (ويحكك يا حمدان إنك لتبكي دماً)!..
    فتبسم حمدان من قول صاحبه ومسح عينيه بطرف كمه فما بدا عليه أثر لدم، وإنما هو قليل من الدمع. ففطن الرجل لما وقع فيه من الوهم، فتبسم ضاحكاً وما يزال في عينيه آثار البكاء، فكان منه ما يكون من الطفل بكى لشيء أغضبه أو لأمر عز عليه فجئ له بغتة بما اشتهي فغلبه الفرح فطفق يضحك هو بعد على حاله يبكي!
    وتذكرا ما هما فيه فعجبا كيف تسلل الابتسام إلى شفاهما.
    قال حمدان وهو يتنهد: (يجب أن يثور الناس على هذه الحال ويجب أن ننقذ ابنتك من يد هذا الفاسق).
    فقال عبد الرؤوف بصوت حزين مؤثر:
    - (هيهات يا حمدان فقد كان آخر ما بلغني من خبرها عن ذلك الخادم أنها اختفت من القصر منذ عامين فلم يعرف أحد عنها شيئاً؟).
    - فأين ذهبت؟
    - لا أدري –لعلها ماتت أو قتلت أو رحلت إلى جهة نائية. فقد بلغني أنهم يفعلون بعض هذا بالفريسة حين يستغنون عنها.
    قال له حمدان: (أما قلت لي إنه حبسها في قصر الكوفة؟).
    فقال عبد الرؤوف وهو يحسب أن حمدان يريد بسؤاله هذا أن ينقذها (بلى ولكن لا تشغل نفسك بأمرها فليست اليوم هناك).
    وتذكر حمدان أن ابن الحطيم قضى الأيام التي تلت اختطاف عالية في قصره بالكوفة كما حدثه بذلك قيم قصره. فخطر له أن عالية قد تكون هناك. ومن يدري لعلها تنزل في نفس الغرفة التي كانت فيها ريا. فأزعجه هذا الخاطر المخيف ولكنه سرعان ما طرده من قلبه إذ ذكر ثمامة وجماعته العيارين. فأنى يصح أن تصير من عند هؤلاء إلى ابن الحطيم؟.
    وما انتهى من هذا الخاطر حتى تذكر أن جليسه قد ظن به الاهتمام بإنقاذ ابنته ريا. فخجل حمدان في سره وأراد أن يداري هذا الخطل فقال له: (أما نستطيع أن نصنع لابنتك شيئاً؟).
    فقال له عبد الروؤف (شكراً لك يا حمدان. لا فائدة من محاولة المستحيل. إني قد يئست من ابنتي ولم يعد لي فيها مطمع وعددتها كأنها لم تكن. فدعنا نهتم الآن بأختك عسى الله أن يأذن بردها إليك ويومئذ أشعر بأن ابنتي رجعت إلي).
    فتأثر حمدان من مقالته وجعل يشكره شكراً بليغاً ثم قال له: لو أعلم أن أختي عند ابن الحطيم أو عند الهيصم لاقتحمت القصر عليه وليكن ما يكون. ولكنها –وأسفاه- بأيدي العيارين من جماعة الشيخ سلام الشواف فكيف السبيل إلى هؤلاء؟.
    فسكت عبد الرؤوف هنيهة ثم قال له: إن تكن حقاً عند هؤلاء فأيقن أنها بمأمن من السوء وأنها عما قريب سترد إليك، بيد أني ما زلت أشك أن يتعرض هؤلاء لفقير مثلك لا يطمعون عنده في مال أو فدية.
    - لا تنس ثمامة وانتقامه مني.
    - إن فعلها ثمامة فلا شك عندي أنه خدعهم.
    - إني أراك مصراً على هذا الرأي.
    - لأني لا أستطيع أن أؤمن بخلافه.
    - فماذا تنصحني أن أصنع؟
    - أن تتصل بهم فترى ما عندهم.
    - لو كان في مقدوري ذلك لقد فعلت. ألا تستطيع أن تدلني على أحد منهم؟ فارتبك الرجل واعتراه خجل شديد إذ تذكر أنه قد أخبر حمدان آنفاً أنه يعرفهم وأنه قد خالط كثيراً منهم. وأحس أن حمدان يستنجد به الآن ويلتمس معونته في هذا السبيل فكيف يسعه أن يتنصل مما قال؟ وزاد ارتباكه لما نظر في وجه حمدان فرأى في عينيه بريقاً ينطق بكثير من الاستعطاف وقليل من العتب الجميل، فما كان منه إلا أن دنا من حمدان فهمس في أذنه قائلاً: (في وسعي أن أجمعك بأحدهم ولكن حياتي وحياتك ستكونان معلقتين بكتمانك هذا السر فهل تحلف لي على هذا يا حمدان؟ فأقسم له حمدان أغلظ الإيمان أن (لا يخرج هذا السر من صدره أبداً).
    فلما وثق به صاحبه قال له: (فقم بنا الساعة لنشهد صلاة الظهر في الجامع وليقضي الله بعدها ما يشاء).


    إنتظرونا عبر الصفا في رابع الأجزاء@ يا ترى من هم العيارين وكيف وصل عبدان لهذه الجماعة وهل ينتسب لهم لإنقاظ أخته ومن هو الشيخ بهلول السمرقندي ومذا أخبر حمدان عن أخته

  2. #2
    مدير عام
    تاريخ التسجيل
    01-26-16
    المشاركات
    1,417
    معدل تقييم المستوى
    10

    رد: الثائر الأحمر الحلقة 3

    مشكورين على النشر

  3. #3
    المدير العام
    تاريخ التسجيل
    01-27-16
    المشاركات
    3,275
    معدل تقييم المستوى
    10

    رد: الثائر الأحمر الحلقة 3

    تحياتي لك أخي سرحان، القصة تبدو أكثر تشويقا في هذه الحلقة، إلينا بالمزيد.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المشابهة.

  1. رواية الثائر الأحمر الحلقة 2
    بواسطة سرحان في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-13-2017, 09:30 AM
  2. رواية الثائر الأحمر الحلقة الأولى
    بواسطة سرحان في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-10-2017, 03:58 PM
  3. ‏كلمة رئيس اتحاد المكفوفين بولاد البحر الأحمر في مستشفى الطب النفسي
    بواسطة مصعب عبدالرحيم محمد نصر في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-17-2016, 10:17 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
تابعنا على facebook تابعنا على twitter قَناةُ الYouTube